توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الدولة «العباسية» العميقة

  مصر اليوم -

الدولة «العباسية» العميقة

بقلم : محمود خليل

بدأت ولاية الخديو إسماعيل بمشهد مثير لـ«أدهمين صغيرين» يأكلان بعضهما بعضاً. فقد جرت العادة بأن يمنح من يتولى شرف تبليغ ولى عهد مصر بخبر وفاة سلفه وتوليه الحكم خلفاً له رتبة البكوية ونفحة مالية معتبرة. لذا فقد مكث رئيس مصلحة التلغراف (موظف بدرجة بك) أمام ماكينته فى انتظار وصول برقية بوفاة «الوالى سعيد باشا» بعد أن علم أنه يحتضر بالإسكندرية. مرت 48 ساعة وهو على هذه الحال حتى أنهكه التعب فطلب من مساعده الجلوس إلى جوار الماكينة وأن يوقظه مباشرة فور وصول الخبر ووعده بمكافأة مقدارها 500 فرنك. نام «البك» وهو يحلم برتبة الباشوية والنفحة المالية، وبالفعل وصل الخبر المنتظر أثناء نومه فطار به مساعده إلى الأمير إسماعيل فنال رتبة البكوية ونفحة مالية، ثم عاد الخبيث إلى رئيسه وأيقظه وأعطاه التلغراف فمنحه الأخير الـ500 فرنك التى وعده بها، وعندما ذهب إلى إسماعيل ليخبره رد عليه الوالى بأن معلوماته قديمة وأن الخبر قد وصل إليه. أدرك الرئيس خيانة مرؤوسه فعاد إليه ليوبخه فزجره الأخير قائلاً: «أنا بك مثلك.. إياك أن تخطئ فى حقى»!

المكائد والمؤامرات والمنافسة على المكاسب الصغيرة قواعد أساسية تحكم علاقة الموظفين ببعضهم البعض منذ دخول «أدهم» إلى عالم «الوظيفة الميرى» فى عصر الوالى الكبير محمد على. وكل الولاة الذين تداولوا على مصر كانوا يعلمون ذلك ويفهمون أن دولة أخرى عميقة قد تشكلت فى أضابير الدواوين لا تقل قدرة على التأثير فى الأحداث من الولاة الفعليين ساكنى القصور. وقد تحركت عناصر من الدولة العميقة فى بدايات حكم «إسماعيل» لتوتر العلاقة بينه وبين فرنسا، حين قام عدد من الموظفين بالاعتداء على أحد الرعايا الفرنسيين، فغضب القنصل الفرنسى لذلك غضباً شديداً وأبلغ إسماعيل بما حدث، فتحرك الأخير بسرعة وحسم فعاقب الجناة وحكم بتبعيدهم عن العاصمة.

كان «أداهم الدواوين» فى ذلك الوقت منقسمين، فبعضهم لم يكن يرضى عن انحياز الوالى سعيد إلى الأجانب ووقوعه فى أحضانهم، بعد سنوات قضوها فى حكم الوالى عباس حلمى قام فيها الأخير باستبعاد الأجانب من مصر وأغلق بابها على أهلها، خلافاً لنهج جده محمد على. لم يكن الحزب العباسى بالحزب الهين أو الضئيل وكان أغلب أفراده يراهنون على أن عهد سعيد لن يطول، وأن الوالى الذى سيخلفه فى الملك (أحمد رأفت باشا) النجل الأكبر لإبراهيم بن محمد على سيعيد الأمجاد العباسية، لكن الرياح أتت بما لا يشتهيه هؤلاء، حين سقطت عربة القطار التى تقل الأمير أحمد رأفت فى النيل وغرقت عند كفر الدوار، ليصبح الأمير إسماعيل ولياً للعهد بدلاً منه. وقيل فى تفسير الحادثة إن الموظف المسئول نسى أن يغلق كوبرى كفر الدوار وتركه مفتوحاً!

وفى محاولة للتلخص من أفراد الحزب العباسى داخل الدولة العميقة تمهيداً للبدء فى تجربته التحديثية بادر إسماعيل إلى اتخاذ العديد من القرارات لتحرير عقل الموظف والعامل والفلاح «الأدهمى» من التماهى مع العصر العباسى (عصر عباس حلمى الأول). وجاء على رأس هذه القرارات إلغاء نظام السخرة فى التشغيل. يسجل إلياس الأيوبى فى كتابه «تاريخ مصر فى عهد الخديو إسماعيل باشا» أن الخديو قرر بعد أسابيع قليلة من تولى الحكم إلغاء طريقة السخرة المشئومة التى اتبعتها الحكومة فى أشغالها، والتى هى السبب الأهم، بل الأوحد، الحائل دون بلوغ القطر كل النجاح الذى هو جدير به. ولا خلاف على أن إلغاء السخرة أعاد لأدهم جزءاً من الحرية التى كان ينعم بها فى البيت الكبير، لكن قرارات أخرى للوالى الجديد أزعجته كل الإزعاج.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الدولة «العباسية» العميقة الدولة «العباسية» العميقة



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt