بقلم : محمود خليل
شكلت مشاهد رمضان مساحة مهمة من المساحات التى اهتم عالم الرواية المصرية بتصويرها، وخصوصاً خلال فترة الأربعينات من القرن الماضى. المسألة لم تتوقف عند نجيب محفوظ وحده فى رواية «خان الخليلى»، بل شاركه فى طرق أبواب «عالم رمضان» الأديب الكبير يحيى حقى فى روايته «قنديل أم هاشم» التى تحكى قصة «إسماعيل» الذى نبت من رحم مصر الشعبية بأفكارها وتدينها الذى تختلط فيه الحقائق بالخرافات، ثم ذهب لدراسة الطب فى ألمانيا، وعاد مؤمناً بالعلم محتقراً طقوس الحياة الشعبية بحى السيدة زينب الذى شهد مولده وطفولته وصباه وشبابه، وأنكر على أهل الحى التداوى بزيت قنديل «أم هاشم»، وفى لحظة ثورة، حطم القنديل، فناله من محاسيب السيدة ما ناله. عاش «إسماعيل» لحظات حيرة وتشتت نفسى مرير. فليس من السهولة أن يواجه شخص بمفرده ثقافة المجموع. الكثرة دائماً تغلب الشجاعة الفكرية أو الأدبية. أتاح رمضان لإسماعيل لحظة تفكير وتأمل فى حاله وحال المحيطين به. ذكرته مشاهد الطقوس الرمضانية داخل حى السيدة زينب بالسعادة الطفولية التى كان يتعاطى فيها هذه الطقوس مع غيره من أطفال الحى دون سخط أو تبرم، تذكر كم كان يحب هذا الشهر ويستعجل قدومه.
جاء رمضان، فما خطر لإسماعيل أن يصوم، اكتفى بلحظة الصفاء التى جللت إحساسه بالشهر الكريم وأخذ يسأل نفسه: «لماذا خاب؟ لقد عاد من أوروبا بجعبة محشوة بالعلم، عندما يتطلع فيها الآن يجدها فارغة. ليس لديها على سؤاله جواب. هى أمامه خرساء ضئيلة، ومع خفتها فقد رآها ثقلت فى يده فجأة». طقوس رمضان فى حى السيدة ثابتة لا تتغير، فى كل عام يتشبث بها الناس أكثر من العام الذى سبقه. «ابن البلد» يمر فى هذا الحى خلال ساعات رمضان وكأنه خرج للتو من صفحات «الجبرتى». الأرض التى يقف عليها ابن البلد صلبة، يحركه نوع من الإيمان، يصح أن ننظر إليه كثمرة مصاحبة للزمان. ظلت الأسئلة تتبختر فى خيال «إسماعيل» طيلة ليالى رمضان، وليلة تجر ليلة حتى وصل إلى ليلة القدر. حلت ليلة القدر. فانتبه لها إسماعيل. ففى قلبه لذكراها حنين غريب. رُبى على إجلالها والإيمان بفضائلها، ومنزلتها بين الليالى، لا يشعر فى ليلة أخرى -ولا حتى ليلة العيد- بمثل ما يشعر به من خشوع وقنوت لله. هى فى ذهنه غرة بيضاء وسط سواد الليالى. كم من مرة رفع فيها بصره إلى السماء، فبهره من النجوم جمال لا يراها تنطق به بقية العام.
العبارات الموحية التى نسجها يحيى حقى تقول إن لا شىء يتغير فى العالم الخارجى عندما يهل شهر رمضان، التغير الحقيقى يحدث فى إحساس الفرد وطبيعة تفاعله مع العالم المحيط به خلال هذا الشهر. لحظة الصدق التى عاشها «إسماعيل» فى ليلة القدر التى تحمل فى رحمها زخم الليالى التى مرت من رمضان جعلته يحلل مشكلته ومشكلة من حوله بشكل دقيق. لقد عاد من أوروبا بإيمان جديد مداره العقل والعلم، وهو الذى خرج بالأمس من واقع إيمانى يتأسس على التبرك وتقبيل الأعتاب والاستنجاد بالأولياء والمدد السماوى. وبعد أن فكر وتدبر أدرك أن الإنسان لا يحلق فى الحياة بجناح واحد، لا بد من جناحين وإلا سقط. فالحياة يختلط فيها عالم الغيب بعالم الشهادة، والإحساس النفسى المبهم بالعقل الواعى المدرك، والمتناهى باللامتناهى، والماضى بالحاضر، إنها خلطة ثنائية عجيبة. آمن «إسماعيل» بأن العقل يعنى أن يتعامل الإنسان مع الواقع كما هو واقع، وإلا خسر نفسه وخسر الواقع. فالناس لا تتغير بالتصادم، بل بالتطوير، والطبيب الماهر يجب أن يدرك أن الشفاء لا يحدث بحيله وأدواته فى لحظة خاطفة، فالزمن جزء من العلاج.