توقيت القاهرة المحلي 22:06:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإرهاب الجديد والشر المبتذل

  مصر اليوم -

الإرهاب الجديد والشر المبتذل

بقلم - السيد ولد أباه

في تحقيق بحثي مطول حول الإرهاب الجديد، خلصت مجلة New Scientist البريطانية (بتاريخ 6 سبتمبر 2017) إلى أن ظواهر العنف الراديكالي الجديدة لا يمكن تفسيرها بأي عامل حاسم ومحدد، سواء تعلق الأمر بالتطرف الديني أو الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أو الاضطراب النفسي، بما يجعل معالجة ومواجهة هذه الظواهر صعبة ومعقدة. في هذا السياق، استشهدت المجلة برأي «مارك سيجمان» وهو عميل سابق لوكالة المخابرات الأميركية الذي أصدر كتاباً بعنوان «الوجه الحقيقي للإرهابيين»، استند فيه إلى خبرته الميدانية الطويلة ودراسته لـ172 حالة من حالات الإرهاب الموسوم بالجهادي (إرهاب المجموعات الإسلامية المتشددة)، وانتهى فيه إلى القول إن الإرهابي ليس له خاصية مميزة ولا سمة محددة، بل «إن الإرهاب في حد ذاته لا يوجد، وإنما يوجد أفراد يقومون بعمليات إرهابية».

نفس الرأي توصلت إليه الباحثة المرموقة «مارتن كرنشو» التي قدمت حصيلة كاملة لتجارب الإرهاب طيلة قرن، بدءاً من إرهاب الفوضويين الروس في القرن التاسع عشر، إلى الإرهاب الأيرلندي والباسكي والإسرائيلي في القرن العشرين، معتبرة أن ما يجمع بين مختلف هذه الظواهر هو السمة العادية للإرهابي الذي هو في الغالب شخص طبيعي لا يختلف عن غيره من عموم البشر.

وبالوقوف عند أخطر الظواهر الإرهابية المعاصرة، أي الحالة «الداعشية» المهزومة، استنتج التحقيق أن الأفراد الذين استقطبهم التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا هم في مجملهم من الأفراد العاديين، ونادراً ما تلعب العاطفة الدينية دوراً أساسياً في انتمائهم للجماعة الراديكالية، فهم في أغلبهم موظفون يؤدون وظائف إدارية أو تقنية مدفوعة الأجر أو أشخاص مستفيدون من اقتصاد التهريب والجريمة الذي ترعاه «الدولة»،وجل قادة التنظيم هم من أبناء الطبقات العليا والوسطى المتعلمين القادرين على استمالة الجمهور العريض بخطاب عقلاني أو تعبوي ديني فعال.

‏ما توصل إليه التحقيق يُحيلنا إلى الملاحظة التي أبرزتها الفيلسوفة الألمانية - الأميركية «حنة آرندت» في تحقيقها الشهير حول محاكمة المجرم النازي الألماني «إيخمان» في إسرائيل عام 1961 عندما كشفت أن الجرائم النازية تدخل في نطاق الشر المبتذل Banality of Evil، أي الشر الذي تحول إلى مهنة بيروقراطية إدارية عادية ضمن نسق طبيعي يؤدي فيه الجلاد القاتل دوراً فنياً عادياً لا يختلف عن غيره من الوظائف البيروقراطية. «إيخمان» كما تبين «آرندت»، لم يكن له وجه بطل قاتل، ولا حتى مجرم مخيف، بل هو شخص تافه يثير الشفقة لا يستشعر حجم الفظائع التي ارتكبها، وإنما يعتبر نفسه موظفاً يؤدي مسؤوليته الإدارية العادية. لا يختلف الشخص الإرهابي في جرائمه الوحشية عن المجرم النازي، عندما يحول القتل العشوائي إلى أداة لممارسة «السياسة» ومواجهة الخصم وإبلاغ «الرسالة».

العنف الراديكالي يتحول وفق هذا المنظور إلى شر مبتذل من وجهين، أولاً: من حيث طبيعة العمل الإرهابي نفسه، الذي يلغي كل الأبعاد الزمانية والمكانية للمواجهة في نمط الحرب التقليدية التي كان لها مسرحها وزمنيتها وضوابطها الإجرائية والمعيارية، فالحدث الإرهابي لا زمان له ولا مكان، يمكن أن يحدث في أي موقع، وأي لحظة، ومن هنا ابتذاله ووجاهة تشبيهه بالكارثة الطبيعية غير المتوقعة (حسب وصف القانوني أنطوان كارابون والفيلسوف ميشال روزنفلد في كتابهما «الديمقراطيات القلقة»).

ثانياً:من حيث وصفه وتقويمه، فلا هو بالعمل السياسي ولا الحرب التقليدية، كما أنه ليس بالجريمة المنظمة المألوفة، ومن الصعب تمييزه عن عمليات «القتل الجماعي»، التي تكاثرت بوتيرة سريعة في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة. ومن هنا الصعوبة البالغة في مواجهة الجماعات الإرهابية التي تغير بانتظام واجهتها وتركيبتها المجتمعية وأدوات اشتغالها العملية.

لا خلاف أن التطرّف الديني هو البيئة الحاضنة للإرهاب الراديكالي الجديد، بيد أن الخطورة هنا هي أن ثقافة الكراهية والإقصاء نفذت على نطاق واسع إلى المتخيل الشعبي العام، إلى حد أنها لم تعد تثير الاستغراب والرفض مثل الأحكام الفقهية التكفيرية الشاذة، وأدبيات الإسلام السياسي المتعلقة بموضوع الشرعية ومقاربة الشريعة، مما هو منتشر مبثوث في الإعلام الفضائي والإلكتروني.

ما نخلص إليه هو أن الإرهاب انتقل من صورة الحدث الاستثنائي إلى ظاهرة مألوفة، وإنْ تغيرت وجوهها وتبدلت صيغها، وذلك ما نعنيه بعبارة ابتذال الشر التي بلورتها الفيلسوفة «حنة آرندت» في سياق مغاير.

نقلا عن الاتحاد الاماراتيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإرهاب الجديد والشر المبتذل الإرهاب الجديد والشر المبتذل



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 10:31 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026
  مصر اليوم - أفضل وجهات السفر الرومانسية لقضاء عيد الحب 2026

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 07:42 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء

GMT 12:59 2018 الخميس ,18 كانون الثاني / يناير

صور مريم أوزيرلي في الحمام توقعها في المشاكل
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt