توقيت القاهرة المحلي 21:28:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الإرهاب الجديد والشر المبتذل

  مصر اليوم -

الإرهاب الجديد والشر المبتذل

بقلم - السيد ولد أباه

في تحقيق بحثي مطول حول الإرهاب الجديد، خلصت مجلة New Scientist البريطانية (بتاريخ 6 سبتمبر 2017) إلى أن ظواهر العنف الراديكالي الجديدة لا يمكن تفسيرها بأي عامل حاسم ومحدد، سواء تعلق الأمر بالتطرف الديني أو الأزمات الاقتصادية والاجتماعية أو الاضطراب النفسي، بما يجعل معالجة ومواجهة هذه الظواهر صعبة ومعقدة. في هذا السياق، استشهدت المجلة برأي «مارك سيجمان» وهو عميل سابق لوكالة المخابرات الأميركية الذي أصدر كتاباً بعنوان «الوجه الحقيقي للإرهابيين»، استند فيه إلى خبرته الميدانية الطويلة ودراسته لـ172 حالة من حالات الإرهاب الموسوم بالجهادي (إرهاب المجموعات الإسلامية المتشددة)، وانتهى فيه إلى القول إن الإرهابي ليس له خاصية مميزة ولا سمة محددة، بل «إن الإرهاب في حد ذاته لا يوجد، وإنما يوجد أفراد يقومون بعمليات إرهابية».

نفس الرأي توصلت إليه الباحثة المرموقة «مارتن كرنشو» التي قدمت حصيلة كاملة لتجارب الإرهاب طيلة قرن، بدءاً من إرهاب الفوضويين الروس في القرن التاسع عشر، إلى الإرهاب الأيرلندي والباسكي والإسرائيلي في القرن العشرين، معتبرة أن ما يجمع بين مختلف هذه الظواهر هو السمة العادية للإرهابي الذي هو في الغالب شخص طبيعي لا يختلف عن غيره من عموم البشر.

وبالوقوف عند أخطر الظواهر الإرهابية المعاصرة، أي الحالة «الداعشية» المهزومة، استنتج التحقيق أن الأفراد الذين استقطبهم التنظيم الإرهابي في العراق وسوريا هم في مجملهم من الأفراد العاديين، ونادراً ما تلعب العاطفة الدينية دوراً أساسياً في انتمائهم للجماعة الراديكالية، فهم في أغلبهم موظفون يؤدون وظائف إدارية أو تقنية مدفوعة الأجر أو أشخاص مستفيدون من اقتصاد التهريب والجريمة الذي ترعاه «الدولة»،وجل قادة التنظيم هم من أبناء الطبقات العليا والوسطى المتعلمين القادرين على استمالة الجمهور العريض بخطاب عقلاني أو تعبوي ديني فعال.

‏ما توصل إليه التحقيق يُحيلنا إلى الملاحظة التي أبرزتها الفيلسوفة الألمانية - الأميركية «حنة آرندت» في تحقيقها الشهير حول محاكمة المجرم النازي الألماني «إيخمان» في إسرائيل عام 1961 عندما كشفت أن الجرائم النازية تدخل في نطاق الشر المبتذل Banality of Evil، أي الشر الذي تحول إلى مهنة بيروقراطية إدارية عادية ضمن نسق طبيعي يؤدي فيه الجلاد القاتل دوراً فنياً عادياً لا يختلف عن غيره من الوظائف البيروقراطية. «إيخمان» كما تبين «آرندت»، لم يكن له وجه بطل قاتل، ولا حتى مجرم مخيف، بل هو شخص تافه يثير الشفقة لا يستشعر حجم الفظائع التي ارتكبها، وإنما يعتبر نفسه موظفاً يؤدي مسؤوليته الإدارية العادية. لا يختلف الشخص الإرهابي في جرائمه الوحشية عن المجرم النازي، عندما يحول القتل العشوائي إلى أداة لممارسة «السياسة» ومواجهة الخصم وإبلاغ «الرسالة».

العنف الراديكالي يتحول وفق هذا المنظور إلى شر مبتذل من وجهين، أولاً: من حيث طبيعة العمل الإرهابي نفسه، الذي يلغي كل الأبعاد الزمانية والمكانية للمواجهة في نمط الحرب التقليدية التي كان لها مسرحها وزمنيتها وضوابطها الإجرائية والمعيارية، فالحدث الإرهابي لا زمان له ولا مكان، يمكن أن يحدث في أي موقع، وأي لحظة، ومن هنا ابتذاله ووجاهة تشبيهه بالكارثة الطبيعية غير المتوقعة (حسب وصف القانوني أنطوان كارابون والفيلسوف ميشال روزنفلد في كتابهما «الديمقراطيات القلقة»).

ثانياً:من حيث وصفه وتقويمه، فلا هو بالعمل السياسي ولا الحرب التقليدية، كما أنه ليس بالجريمة المنظمة المألوفة، ومن الصعب تمييزه عن عمليات «القتل الجماعي»، التي تكاثرت بوتيرة سريعة في الولايات المتحدة في الآونة الأخيرة. ومن هنا الصعوبة البالغة في مواجهة الجماعات الإرهابية التي تغير بانتظام واجهتها وتركيبتها المجتمعية وأدوات اشتغالها العملية.

لا خلاف أن التطرّف الديني هو البيئة الحاضنة للإرهاب الراديكالي الجديد، بيد أن الخطورة هنا هي أن ثقافة الكراهية والإقصاء نفذت على نطاق واسع إلى المتخيل الشعبي العام، إلى حد أنها لم تعد تثير الاستغراب والرفض مثل الأحكام الفقهية التكفيرية الشاذة، وأدبيات الإسلام السياسي المتعلقة بموضوع الشرعية ومقاربة الشريعة، مما هو منتشر مبثوث في الإعلام الفضائي والإلكتروني.

ما نخلص إليه هو أن الإرهاب انتقل من صورة الحدث الاستثنائي إلى ظاهرة مألوفة، وإنْ تغيرت وجوهها وتبدلت صيغها، وذلك ما نعنيه بعبارة ابتذال الشر التي بلورتها الفيلسوفة «حنة آرندت» في سياق مغاير.

نقلا عن الاتحاد الاماراتيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الإرهاب الجديد والشر المبتذل الإرهاب الجديد والشر المبتذل



GMT 09:13 2024 الثلاثاء ,21 أيار / مايو

مبروك للأبيض.. عقبال الأحمر

GMT 09:11 2024 الثلاثاء ,21 أيار / مايو

ماذا بعد رئيسى؟

GMT 02:27 2024 الثلاثاء ,21 أيار / مايو

تحشيش سياسي ..!

GMT 02:21 2024 الثلاثاء ,21 أيار / مايو

السلطة والدولة في إيران

GMT 12:49 2024 الإثنين ,20 أيار / مايو

افكار تساعدك لتحفيز تجديد مظهرك
  مصر اليوم - افكار تساعدك لتحفيز تجديد مظهرك

GMT 12:36 2024 الإثنين ,20 أيار / مايو

أنواع وقطع من الأثاث ينصح الخبراء بتجنبها
  مصر اليوم - أنواع وقطع من الأثاث ينصح الخبراء بتجنبها

GMT 07:07 2024 الثلاثاء ,21 أيار / مايو

مندوب مصر يؤكد رفض بلاده العدوان على رفح
  مصر اليوم - مندوب مصر يؤكد رفض بلاده العدوان على رفح
  مصر اليوم - ظافر العابدين يعود الى دراما رمضان بعد طول غياب

GMT 15:28 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

حرس الحدود يخشى انتفاضة بتروجت على ستاد المكس

GMT 03:36 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

صيَّاد في كوبا يعثر على سلحفاة غريبة برأسين وجسمين متصلين

GMT 23:01 2018 الخميس ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

الشاعِرة سندس القيسي تُصدِر كتابها الشعري الثاني

GMT 02:43 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

شريهان تخطف الأنظار في حفل زفاف شيماء سيف

GMT 01:33 2018 الجمعة ,29 حزيران / يونيو

هايدي موسى تطرح " دي حياتي" عبر "اليوتيوب"

GMT 02:28 2018 الخميس ,19 إبريل / نيسان

مصر تشارك في مهرجان بغداد الدولي لمسرح الشارع

GMT 00:23 2018 الإثنين ,19 شباط / فبراير

قصر ثقافة الأقصر يعرض فيلم رسوم متحركة للأطفال

GMT 20:32 2018 الجمعة ,16 شباط / فبراير

غابرييل غيسوس يعود إلى الملاعب بعد أسبوعين

GMT 00:30 2018 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

الخطيب يجتمع مع سيد عبد الحفيظ لمناقشة العروض
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon