توقيت القاهرة المحلي 14:02:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من الميليشيات إلى القبائل: استنبات الثورة وتجريف الهويات

  مصر اليوم -

من الميليشيات إلى القبائل استنبات الثورة وتجريف الهويات

بقلم - يوسف الديني

جزء من فهم تضخم عسكرة المنطقة وتحول عدد من العواصم العربية، التي ابتلع جزءاً كبيراً من سيادتها نظام طهران، يقودنا إلى تحولات تتجاوز بناء الأذرع والميليشيات المدعومة إلى تجريف الهويّة وإعادة تشكيل المجتمعات وفق استثمار طويل الأمد، لخلق قواعد عميقة مبنية على رافعات متجذرة ومنها «القبائلية» السياسية.

«الحرس الثوري» المؤسسة الأبرز في استراتيجية تصدير الثورة - الذي وصفه الخميني ذاته بقوله: «لو لم يكن حرس الثورة ما كانت الدولة، إني أوُقر الحرس وأُحبهم وهم جيشنا العقائدي وعيني عليهم» - ينشط في سوريا، وتحديداً في منطقة القبائل العربية في الشرق على تطوير مشروع تحالف ضخم لا يسلط عليه الضوء عادة مع تركز الاهتمام على الأحداث، وليس المشاريع التقويضية التي لا تتخذ طابع الحرب وتتغذى على أرقام الضحايا، وهو أمر متفهم إذا ما أخذنا في الاعتبار الصناعة الخبرية والإعلامية، لكنه ألا يجب أيغفل عنه الباحثون والمحللون لجزء من أزمات المنطقة ووقوعها أمام حالات انسداد سياسي متعددة الأوجه؛ الكيان الإسرائيلي من جهة، والسلوك الإيراني من جهة أخرى، في ظل أزمات وارتكاسات عربية.

شرق سوريا اليوم هو نموذج مستنسخ من تجربة «الحرس الثوري» في حلب يقوم على إعادة إنتاج الحالتين اللبنانية واليمنية، عبر خلق مناخ استثمار في البنى والقوى المجتمعية والاقتصادية وإدارتها وتدريبها بشكل مباشر.

اللافت أن حالة الاستقطاب والاستثمار انتقلت من مرحلة استيراد مجموعات تطوعية من جماعات الإسلام السياسي الشيعي، والتنظيمات المتطرفة المنبثقة منه من الخارج، إلى محاولة تدشين حواضن اجتماعية قبلية، من تلك الميليشيات التي تم جلبها من «لواء أبو الفضل العباس»، و«لواء الإمام الحسين»، بهدف إدارة المناشط الدينية والثقافية والتوجيه العسكري والأمني، وهي وظيفة مزدوجة ساهمت في التوسع في النطاق الجغرافي لما أصفه بمشروع «استنبات الثورة» وليس تصديرها، وشمل ذلك في الحالة السورية مناطق مثل حمص وحلب ودير الزور، رغم أن الفوارق الثقافية ساهمت أيضاً في مشاريع نبذ مضادة، لكنها بسبب افتقار موقف عربي موحد في التعاطي مع المسألة السورية ومشاريع الهويّة، أصبحت أكثر حضوراً في سوريا، إحدى عواصم العروبة والقومية، وهنا نتحدث عن نفوذ غير مسبوق في حلب ذات الأكثرية السنية، التي تحولت قبائل فيها ومنها قبائل البقارة إلى الإسلام السياسي الشيعي، منذ اشتداد سنوات ما سمي بالربيع العربي وما بعدها، وغدت هذه القبائل المتحوّلة هويّاتياً وسياسياً منخرطة في العمل السياسي والاجتماعي وإدارة الحكم المحلي.

وبحسب ورقة بحثية كتبها كايل روبرتسون، المتخصص في الملف السوري ونشرت في معهد واشنطن لتحليل السياسات، تحدث فيها عن انشقاقات لزعماء القبائل العربية في بدايات الثورة، ثم عودتها مع الاستقرار النسبي، لكن مع تحول صوب الميليشيات المستنبتة، ومنها لواء الباقر أكبر ميليشيا تابعة لقبيلة البقارة، وهي الملاحظة ذاتها على ما يتعزز من معلومات عن منطقة شمال غربي سوريا وتعمق نفوذ «الحرس الثوري» برافعات قبائلية عشائرية تحت شعار «فيلق المدافعين عن حلب»، ويتبعه آلاف الأعضاء الموالية لطهران كجزء من ردات الفعل والتحولات بعد عودة الاستقرار النسبي لتلك المناطق، واندحار التنظيمات الإرهابية المحسوبة على السنة في سياق التحشيد التي يحضر مشروع تجريف هويّتها أيضاً وفق رؤية طويلة الأمد، وذات امتدادات اجتماعية وثقافية لا ترصدها مؤشرات الارتهان لحوادث العنف أو الأخبار الإعلامية المثيرة، وهو مشروع يمتد اليوم إلى دير الزور ويتردد صدى «قوات القبائل» والعشائر العربية على مناطق واسعة من أرياف الحسكة والرقة في الشمال، كجزء من مناكفة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تقع فريسة هذا الامتداد ومحاولة السيطرة على مخيمات فلول «داعش»، في ظل سياسات التخلي والإهمال الغربية من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية المتنصلة من عائلات الإرهابيين المنتسبين إليها.

ما علاقة هذا بما يحدث في غزة؟! ولماذا يتم طرحه في هذا التوقيت الذي يركز العالم إلى منع كارثة بشرية بسبب الصلف الإسرائيلي والتعنت الأميركي في اتخاذ موقف، هو أننا في ظل تفاقم الأزمة وتبعاتها أمام خيارات صعبة وقاسية جداً، فيما يتصل بحالة التحشيد والتجييش وعسكرة المنطقة وتصارع المشاريع التقويضية، وتجريف الهويّات يتجاوز ثنائية الضحية والجلّاد، إلى حالة عربية تتجه إلى تحولات قاسية ونكبات أبعد من الحروب لها تداعيات طويلة الأمد؛ وللحديث بقية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من الميليشيات إلى القبائل استنبات الثورة وتجريف الهويات من الميليشيات إلى القبائل استنبات الثورة وتجريف الهويات



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 12:06 2026 الأربعاء ,15 إبريل / نيسان

مذيعة فوكس نيوز تكشف تفاصيل حوار مرتقب مع ترامب
  مصر اليوم - مذيعة فوكس نيوز تكشف تفاصيل حوار مرتقب مع ترامب

GMT 20:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي
  مصر اليوم - دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:36 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

نصائح لتحويل مكتبك المنزلي إلى بيئة صحية ومنتجة

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 18:56 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

مدفيديف يحرز لقب كأس الدرعية على حساب فونيني

GMT 11:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أخطاء شائعة تجنبيها عند شراء المجوهرات

GMT 21:53 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الشواطئ والمناظره الطبيعية لقضاء شهر عسل في قبرص

GMT 05:57 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

طريقة إعداد وتحضير الدجاج بحليب جوز الهند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt