توقيت القاهرة المحلي 20:36:48 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ومع كل ذلك... تفاءلوا!

  مصر اليوم -

ومع كل ذلك تفاءلوا

بقلم - حسين شبكشي

تقول المقدمة الافتتاحية لرواية «قصة مدينتين» للروائي الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز «لقد كانت أفضل الأوقات، لقد كانت أسوأ الأوقات». هذه العبارة التي باتت خالدة وتستخدم في توصيف الكثير من الحالات المتناقضة، هي تماماً ما يمكن أن ينطبق عليه الحال اليوم في تشريح وضع العالم المتناقض. فرغم العناوين المقلقة التي تداهمنا كل يوم، والتي تتحدث عن تداعيات صحية كبيرة جاءت بها جائحة «كوفيد - 19» في آخر ثلاث سنوات ودمرت صحة الإنسان، ودمرت معها الاقتصاد الخاص به، ومع الأخبار التي لا تتوقف عن التدمير المتواصل للبيئة بسبب سوء وضع المناخ العالمي وثورات وحروب حتى وصل بها الأمر إلى اندلاع حرب شبه عالمية بين أوكرانيا وروسيا، تأتي بها مشاكل اقتصادية من نوع مختلف ومدمر سيؤدي إلى كساد مهول يسبب حالة تضخم لن يستطيع معها الإنسان على الصرف، مصاحبة بأزمة غذائية غير مسبوقة منذ سنوات طويلة على المستوى العالمي، فإن هناك من يقول وبالأدلة والأرقام والوثائق إننا نعيش أفضل حالاتنا في تاريخ البشرية، وهذا بحد ذاته مدعاة للتفاؤل العظيم بما هو آت.
فالكاتب الأميركي ستيفن بينكر له كتاب بعنوان «أفضل الملائكة في طبيعتنا» والذي يناقش فيه أن البشرية اليوم تعيش مرحلة متقدمة جداً من تطورها على مستويات كبيرة، وخصوصاً فيما يخص انخفاض لجوئها إلى العنف لحل المشاكل، ومعدلات الجريمة في أدنى مستوياتها في العالم، وكذلك اللجوء إلى العنف لحل المعضلات بين الدول وبين الأفراد انخفضت بشكل كبير رغم تسليط ضوء الإعلام على الجرائم التي تحدث؛ وذلك بسبب قوة وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن الأرقام والمعدلات تبقى في أدنى مستوياتها قياساً بما سبق من سنوات، وكذلك من الممكن أن يقال الشيء نفسه بالنسبة لجودة الحياة وطول العمر فيما يخص الحالة البشرية العامة. الإنسان اليوم باستطاعته أن يعيش أعواماً أطول ممن سبقوه من أجيال مختلفة، وأصبح بالإمكان توفير العلاج والتعامل مع العديد من الأمراض المعضلة التي كانت بمثابة إعلان وفاة فوري عند تشخيصها، كذلك مكّنت التقنية الحديثة من توفير العديد من وسائل الراحة والتمكين وتسهيل الحياة في مختلف بقاع العالم، سواء كان لأجل التدريس أو التمريض أو التطبيب أو العمل أو الترفيه.

ويضيف الكاتب الأميركي نقاطاً أخرى في غاية الأهمية، وهي أن معدلات التمييز والعنصرية خفت كثيراً عما كانت في السابق رغم بروز العديد من مشاكلها في الإعلام؛ لأن الأمر أصبح يواجه الآن بالقانون والنظام الصارم والعقوبات الشديدة في حال مخالفة ذلك الأمر، ويتعامل مع المسألة بمعيار قانوني وليس بمعيار مزاجي متفاوت بين شخص وآخر، وأصبحت قابلية الدول حول العالم أقل بكثير في استعدادها لتحمل هذا النوع من التمييز والعنصرية والذي كان سائداً ومقنناً ومُجازاً ومُعترفاً ومُرحباً به في ثقافات العالم المختلفة.
ورغم وجود كتاب آخر مثير للجدل بعنوان «جيوسياسية العواطف» الذي ألفه دومينيك موايسي ويقول فيه، إن الثقافات المتعلقة بالخوف والرعب والإذلال والأمل هي التي ستشكل مستقبل العالم؛ لما تحركه تلك العواطف الجياشة من غرائز مكبوتة لدى الدول المختلفة حول العالم، سواء كان ذلك خوفاً من فقدان الوظائف، أو خوفاً من فقدان الهوية، أو خوفاً من فقدان الأمان، أو حتى خوفاً من فقدان الدين، هي التي ستحرك كل هؤلاء الأشخاص المصابين بهذا النوع من العواطف المبنية على الخوف والإذلال والأمل إذا فعل حراكاً عنيفاً ضد الآخر.
وأعتقد أن فكرة تطوير العلوم واستحداث وسائل التنمية المتطورة للتعامل مع تحديات الإنسان المختلفة، سواء كانت على الصعيد الاقتصادي أو الصحي أو الطبي أو التعليمي أو السياسي سيظل دائماً هو الأهم، وهو المسيطر على عقلية الإنسان بصورة عامة ما دام كان يرى نتائج علومه تتحقق وتتحول لوسائل فيها تحسين لجودة حياته وتطمين لمستقبله سيراهن عليها وعلى استمرار ذلك المناخ الإيجابي، وهو تماماً ما انعكست عليه حال العالم اليوم وتجعل لنا حين نتأمل في هذه المسألة بتعمق وموضوعية أن نقول لنا الحق في التفاؤل.
قد يكون ضرباً من الهراء أو مسألة صعبة المنال، أن ينصح بعضنا بالتفاؤل والاعتقاد يقيناً أننا نعيش أفضل أيامنا كبشر، خصوصاً في ظل العناوين القاتمة والمسببة للاكتئاب والتي تطالعنا بها نشرات الأخبار بصورة دورية على مدار الساعة في كل يوم، إلا أن الحقيقة بعد زوال دخان الأخبار تبقى أننا نعيش فعلاً أفضل أيامنا كبشر، ومن المطلوب أن نتفاءل بما هو آت حتى تتم استمرارية هذا التحول الهائل والعظيم الذي تشهده البشرية والمتمثل في علوم متطورة وطب متقدم وأدوات ووسائل لم نكن نحلم بها... كل ذلك لصالح صون وحفظ كرامة الإنسان التي أمرت بها الأديان كلها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ومع كل ذلك تفاءلوا ومع كل ذلك تفاءلوا



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ مصر اليوم

GMT 09:07 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

حكم العمل في الأماكن التي تبيع محرمات

GMT 09:00 2026 الأربعاء ,13 أيار / مايو

أذكار الصباح اليوم الأربعاء 13 مايو/ أيار 2026

GMT 09:31 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الميزان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 14:34 2014 السبت ,12 إبريل / نيسان

أعداد هائلة من المواطنين تهاجر السويد

GMT 01:45 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أسعار هيونداي IONIQ 6 الكهربائية في السوق المصري

GMT 15:22 2021 السبت ,07 آب / أغسطس

فريال أشرف تهدي مصر أول ذهبية منذ 2004

GMT 20:35 2021 الإثنين ,11 كانون الثاني / يناير

أسهم "تويتر" تهوي 8 % في ألمانيا بعد تعليق حساب ترمب

GMT 08:50 2020 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حريق هائل بمصنع أقطان شهير في الغربية يسفر عن إصابات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt