توقيت القاهرة المحلي 05:52:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التفكير من الباطن

  مصر اليوم -

التفكير من الباطن

بقلم: حسين شبكشي

الإنسان كائن بشري فريد من نوعه يعتمد على نفسه في أمور مختلفة كالأكل والشراب والتنفس والتفكير. إلا أن الإنسان، اليوم، يواجه احتمالاً كبيراً وواقعياً يتعلق بإمكانية نقلة نوعية في مسألة التفكير؛ وهي أن يكون ذلك عن طريق طرف آخر مما يعني عملياً التفكير من الباطن.

فاليوم يتابع عدد غير قليل من الناس حول العالم بمزيج من الدهشة والإعجاب والقلق والذهول تطورات وتفاصيل تطبيقات روبوتات الدردشة المعتمدة على الجيل الجديد من الذكاء الصناعي، التي تقوم بتقديم حلول غير عادية للبحث والابتكار والإبداع والحلول تتفوق فيها وبامتياز كبير عن أي شيء آخر موجود بالأسواق حالياً. وهذه التطبيقات تقوم بتقديم نماذج إبداعية لما يُطلب منها ككتابة المقالات وصياغة الخطابات وتقديم المشورة القانونية، وإعداد الميزانيات المالية وتأليف الألحان الموسيقية والقصائد الشعرية والرسم التشكيلي، وهذه المهامّ كانت دوماً مناطق تفكيرية إبداعية خلاقة ينتجها الخيال البشري، وهذا تماماً ما كان يقصده الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عندما قال: «أنا أفكر إذن أنا موجود»؛ أي بمعنى آخر، ربط ديكارت وجود الإنسان بقدرته على التفكير.
ومع تعاظم أدوار الذكاء الصناعي في حياة البشر وتأثيرها المتزايد على المجالات المختلفة، قد يكون الذكاء الصناعي هو المتسبب في أكبر سلسلة من التغييرات على نمط الحياة، والعمل بشكل عام متفوقاً في ذلك على ما أحدثته الثورات الزراعية والصناعية والتقنية المعلوماتية مشتركين جميعاً.
ومن الطبيعي أن يتم تداول تداعيات هذا المشهد على السياسات والتشريعات والقوانين اللاحقة. ولعلَّ أبلغ وصف لما هو آت ما وصفه الكاتب الكندي التشيكي الأصل فاسلاف سميل بعصر التحولات الكبرى، في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه . وفيه يشرح الكاتب كيف أن التحولات الكبرى ستطال القطاعات كافة دون استثناء، شاملة في ذلك التعليم والطب والأعمال والقضاء، وكيف أن هذا سيكون له الأثر الثوري على مؤشرات جودة الحياة للبشر.
ولا يخفي الكاتب الأميركي بول مورلاند، في كتابه «أناس الغد: مستقبل البشرية في عشرة أرقام»، فيقول إن وظيفة البشر ونمط حياتهم باتا مهددين بسبب سطوة الذكاء الصناعي المتزايدة، وهي نقطة تستحق الاهتمام والمتابعة.
وتأتي هذه التحولات مع التطورات العلمية والطبية الهائلة في مجالات دراسات المخ والأعصاب، تزداد فيها معرفة قدرات الدماغ وأغوار العقل مما يعني نقلة نوعية متوقعة في معرفة الإنسان لقدراته الدماغية، مما سيمنحه قدرات فائقة جديدة.
الجهاز الذي نحمله فوق أكتافنا والذي لا يزن أكثر من كيلوغرام ونصف هو الشيء الأعقد، على مبلغ علمنا حتى الآن، في الكون وهو يفعل أشياء كثيرة بشكل مذهل مثل تخزين الذاكرة للأحداث المؤلمة والمفرحة، اتخاذ القرار في المسائل كافة، إلى تمكين الإنسان من عزف البيانو أو لعب كرة القدم، ولكن يبقى أهم ما يقوم به هذا الجهاز هو تصور المستقبل.
هذه القدرة النادرة يتميز بها البشر عن باقي المخلوقات. فالبشر وحدهم من يستطيعون السفر إلى المستقبل بعقولهم. الحيوانات تستطيع إدراك موقعها في المكان ولكنها لا تعي فكرة الزمن.
هذه الإمكانية الخارقة وضعتنا على أول الطريق في مسيرتنا. إننا نعيش في الحاضر، ولكن عقولنا قادرة على السفر إلى المستقبل. غير أن السفر إلى المستقبل له ثمن باهظ؛ وهو الإحساس الدائم بانعدام اليقين. الإنسان الصياد عاش أسيراً للخوف من كوارث الطبيعة المختلفة، والإنسان المزارع عاش تحت رحمة الفيضانات والجفاف أو الأمراض الفتاكة. اليوم يعيش الإنسان في مجتمعات بالغة التعقيد والتقدم التقني، ولكن هذه المجتمعات قد تصاب بالشلل الكامل بسبب كائن لا يُرى بالعين المجردة كما حدث مع فيروس كورونا.
الفيلسوف الروماني سينيكا يقول «نحن نعاني بسبب خيالنا بأكثر مما نعاني في الواقع»، وبالتالي من الممكن القول إن المواجهة القادمة بين الذكاء البشري والذكاء الصناعي قد تكون أخطر معركة وجودية للبشر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التفكير من الباطن التفكير من الباطن



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt