توقيت القاهرة المحلي 01:43:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اسمعني وافهمني!

  مصر اليوم -

اسمعني وافهمني

بقلم: حسين شبكشي

دخلت إلى المصعد في مشوار طويل ببرج شاهق لموعد عمل وتقديم المشورة لخطة تواصل واتصالات لشركة عالمية كبرى. نظرت ملياً في مرآة المصعد متذكراً أن مرآة المصعد دائماً ما تخبرك عن نفسك ما لم تكن تعرفه، وذلك في ثوانٍ سريعة جداً.
وصلت إلى موعدي، وبدأ الحوار عن أهم أسباب الإخفاق الحاصل في وصول الهدف من الرسائل والتواصل. إنه الأسلوب، وبعده المحتوى.
قال الرئيس الأميركي الأسبق ثيودور روزفلت: «تكلم برقة واحمل عصا غليظة». وذلك لإيصال رسالتك بوضوح شديد، ونبّه أهم مؤلفي كتب تطوير الذات الأميركي ستيفن كوفي إلى أهمية الإنصات، وذلك بقوله: «احرص على أن تستمع أكثر من حرصك على أن يستمع إليك».
وموضوع الحوار والحديث والتواصل كان تحدياً للإنسان منذ القدم، بداية من مقولة أحد عمالقة الفلسفة الإغريقية سقراط، الذي قال: «تكلم حتى أراك»، وصولاً إلى المغني بهاء سلطان ومقطعه الغنائي الشهير الذي تحول مثلاً: «قوم أوقف وأنت بتكلمني».
في خطابنا الاجتماعي اليومي هناك قدر هائل من أسلحة الدمار الشامل اللفظية التي تستخدم لإيصال رسائلنا بصورة مهينة، ولكنها في الوقت ذاته مبطنة ومخفية. فأسهل وأسلس طريقة لقطع كلام شخص منطلق ومسترسل بلا توقف أن تفاجئه وتبادره بجملة: «من دون قطع لكلامك»، وهناك الطريقة المثالية والأسلوب الرائع لوضع فهم شخص ما في مكانه وقيمة نفس الشخص في مرتبة أدنى وفورية بأن تفاجئه وتبادره بقولك: «مع احترامي الكبير لحضرتك»، وإذا اضطرتك ظروف الحوار وتداعياته أن تستخدم كلمة لا تشبه ولا تليق بالحوار وأطرافه فعليك في الحال بطوق النجاة الفوري، المتمثل في جملة: «عذراً في هذه الكلمة»، وليس هناك أروع ولا أجمل ولا أكثر رقة وحناناً من أن تقدم الضربة القاضية مغلفة بالحرير والسلوفان بقولك: «عذراً يجب أن تعلم أن عيبي هو الصراحة».
كان هناك عرف عام وقاعدة معروفة فيما يخص التحدث في الشأن الخاص وحياة الأفراد. كانت تعرف بالخصوصية التي يجب حمايتها والحفاظ عليها من التطفل والفضول. وكانت القاعدة الذهبية لذلك هي «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، أو كما يقول المثل المصري العامي الشهير: «داري على شمعتك تقيد». حتى ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، التي حوّلت الخاص إلى عام، وباتت حياة الناس واجهة مفتوحة يراقبها الجميع، وأصبح الرضا غاية لا تدرك مع التزيين المستمر للحظات حياة البشر، ما يظهر أخبار وصور البهجة والفرح والسعادة والمرح والسرور، حتى يصل المتابع والمطلع أن هذه هي فعلياً ملخص حياة الجميع على هذا الكوكب البائس، ولا تملك إلا أن تندب حظك وتضرب رأسك في أقرب جدار أو تبلط البحر أو تشرب منه أو كل هذه الخيارات مجتمعة قبل الإصابة بالاكتئاب الحاد طبعاً!
لقد وقع الناس في الفخ، وتم استدراجهم من حيث لا يعلمون، بعد أن أصبحت منصات وسائل التواصل الاجتماعي مصادر دخل وباب رزق وطريقاً للشهرة، بسبب مارك زوكربيرغ صاحب مواقع «فيسبوك» و«واتس آب» و«إنستغرام»، مع عدم إغفال أهمية ودور التطبيقات المنافسة الأخرى، مثل «يوتيوب» و«سناب تشات» و«تويتر»، وجميعها حولت مثل المداراة على الشمعة إلى نظرية جديدة تماماً، مفادها أن هذه الشمعة تستخدمها لتضعها فوق كعكة عيد ميلادك وتطفئها.
«إن من البيان لسحراً» حوّلها المستهترون إلى غير ذلك. فقدت الكلمة أهميتها لصالح مؤثرات أخرى، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها ضوضاء. القياس على الفاعلية بات كمياً، وليس نوعياً أبداً، وبات عدد المتابعين وعدد المعجبين هو الذي يحدد الأهمية، وهي الظاهرة التي وصفها المفكر المصري الكبير جلال أمين وسماها «عصر الجماهير الغفيرة».
عندما تدرك أن هناك خللاً ما في رسائل يوجهها رموز المؤثرين وإبراز أولويات غريبة؛ يمتعض أي عاقل من هذه المسألة، تماماً كامتعاضه من احتساب هدف في مباراة مصيرية تم تسجيله بلمسة يد واضحة.
وتبقى أبلغ الرسائل هي المختصرة والواضحة، مهما كانت مؤلمة في صراحتها. أتذكر موقفاً حصل معي في إحدى المدن العربية، حيث علقت لوحة عملاقة كتب عليها: «عزيزي المواطن نعيد تذكيرك بأن الرصيف للمشاة والطريق للسيارات»، فقلت في نفسي؛ إذا كانت هذه المسألة لا تزال لم تحسم هنا حتى الآن، فالله المستعان. ولعل أبلغ مثال على قوة الرسالة هو ما رواه لي صديق، حصل بينه وبين إخوته خلاف مالي شديد جداً، وتدخل الأب مع صديقي، الذي هو أكبر إخوته، وقال الأب: «أرجوك يا ابني اقبل الوضع مع إخوتك على حسابك، حتى لو كان فيه ظلم لك، وخذ الباقي رضا والدين».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اسمعني وافهمني اسمعني وافهمني



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 00:47 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
  مصر اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt