توقيت القاهرة المحلي 21:49:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صفقات في البازار السياسي!

  مصر اليوم -

صفقات في البازار السياسي

بقلم: حسين شبكشي

في سنة 1984 صدر كتاب «ما لا يعلمونك إياه في كلية هارفارد للأعمال» لمؤلفه الأميركي مارك ماكورمك، وهو محامٍ ووكيل أعمال لكبار نجوم الرياضة الأميركية، ومؤسس إحدى أهم الشركات في هذا المجال المتخصص، وتحول الكتاب إلى قصة نجاح مميزة لمؤلفه، واحتل قائمة الكتب الأكثر مبيعاً لفترة طويلة جداً.
والرسالة الرئيسية في هذا الكتاب كانت هي أن الحياة مسرح العمليات الحقيقي، وليست أروقة الجامعات، وفرقت بالتالي بين ما هو نظري وما هو عملي، وأن كل الصفقات ممكنة ما دمت تملك الوسائل لتسويقها وأسلوب التواصل المؤثر والفعال لتوصيلها. وتذكرت واقعة حصلت معي ومجموعة من الأصدقاء خلال زيارة قديمة جداً للعاصمة السورية دمشق، وتحديداً في سوق الحميدية العريق منها، وتوقفنا وقتها أمام أحد المحال التجارية فنظر إلينا صاحب المتجر بعين فاحصة وهدوء شديد، فسألته عن سعر أحد المعروضات عنده فقال لي بلهجته الدمشقية التي لا تخطئ: «أنت بكم تريدها؟»، ففوجئت بسؤاله وابتسمت وأعدت عليه السؤال مجدداً فقال لي بهدوء شديد: «هل نحن نبيع أم نشتري؟» وأضاف بعد ذلك: «يا عزيزي أنت في سوق الحميدية مدرسة الحياة والتجارة والسعر هو آخر تفاصيل الصفقة، وأحياناً قد تكون تكلفة الصفقة أغلى من ثمنها».
تذكرت كل ذلك وأنا أتابع الأحداث السياسية المتلاحقة في الساحتين السياسيتين الإقليمية والدولية، وكلها كانت بطريقة أو بأخرى تؤكد لي أن الكل يبحث عن الصفقة الأنسب في السوق السياسية. المشهد العراقي المعقد بطله الآن وبامتياز هو مقتدى الصدر، الذي يستغل الغضب الشعبي المتزايد من التدخلات الخارجية في بلاده، فيرفع صوته معارضاً بخطاب وطني وعروبي وشعبي، وهو صاحب التأييد الجماهيري العريض، وهذا يمنح خطابه نوعاً من الجدارة، ولكن الرجل عينه تبقى على الجائزة الكبرى، وذلك في تحضير نفسه ليصبح المرجعية الدينية الأولى للعراق يوماً ما.
وحتى تايوان هي الأخرى تبحث عن الصفقة الأفضل لها، وهي المحصورة بين المعسكر الغربي الذي يدعم مصالحها الاقتصادية بامتياز، ويشكل ثقلاً استثنائياً وداعماً سياسياً لا يمكن إغفاله، والصين الطامعة في ضمها إلى الوطن الأم والاستفادة من مقومات الاقتصاد التايواني الناجح، والذي يضم أهم شركة مصنعة لشرائح الكمبيوتر في العالم، وإحدى أهم شركات النقل البحري والجوي في العالم وغيرهما من الشركات المهمة.
أوروبا أيضاً تبحث عن الصفقة الأنسب التي تمكنها من الخروج من الاعتماد الكلي على الطاقة الروسية بأقل التكاليف الممكنة مع إيجاد مخرج لائق لإيقاف الحرب بين روسيا وأوكرانيا بشكل «مقبول» لكافة الأطراف، لأن دعم الحرب أوروبياً غير قابل للاستدامة ولا الاستمرارية، كما تظهره استطلاعات الرأي في الكثير من الدول الأوروبية، بسبب تداعيات التكلفة الاقتصادية الناتجة عن ذلك.
إيران هي الأخرى تبحث عن صفقة لها في المنطقة، فوضعها في لبنان لا يطمئن في ظل الفشل التام للحكومة المكونة من حلفائها، وبالتالي تحميلها المسؤولية لما آلت إليه الأمور، والوضع السياسي القائم أحدث شرخاً هائلاً في العلاقة بينها وبين النظام السوري عندما خسرت أبرز الشخصيات المحسوبة على سوريا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بشكل مهين لتؤكد إيران لسوريا أن دورها قد انتهى، ولكن المجتمع الدولي يواصل ضغوطه، واتفاق الحدود الإسرائيلي اللبناني بمباركة حلفاء إيران أفقدها ورقة التوت، وأصبحت حاجة إيران ملحة لإتمام صفقة ما تعيد لها ماء الوجه.
ويبقى الرئيس الأميركي جو بايدن الذي يصارع معدلات أدنى درجات الرضا عن إدارته للبلاد في استطلاعات الرأي يحصل عليها أي رئيس أميركي في التاريخ، وكابوس الأداء الاقتصادي السلبي يلاحقه وهاجس الانتخابات النصفية القريبة جداً يقلقه، فهذا يعني أنه بات بأمسّ الحاجة إلى صفقة عاجلة، وهذا يفسر تلميحاته الأخيرة بإعادة الحياة إلى مباحثات الاتفاق النووي مع إيران، فالرجل بحاجة لتسجيل أي نقاط وبسرعة. إنها مرحلة الصفقات بكافة أشكالها في سوق البازار السياسي والمطلوب ليس التركيز على ثمن الصفقة ولكن المطلوب هو الانتباه لتكلفتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفقات في البازار السياسي صفقات في البازار السياسي



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt