توقيت القاهرة المحلي 05:52:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كيسنجر ومائة عام من العُطْلَة!

  مصر اليوم -

كيسنجر ومائة عام من العُطْلَة

بقلم - حسين شبكشي

ينسب لوزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر عندما سئل ذات يوم؛ كيف يمكن لك أن تصف حياتك، فأجاب بقوله: «إنها بمثابة عطلة طويلة». يحتفل ثعلب الدبلوماسية الأميركية العجوز هنري كيسنجر ببلوغه المائة عام بعد عمر طويل قضاه في مشاهدة أحداث تاريخية وصناعة البعض المثير للجدل منها. وانقسم الساسة والإعلام في تقييم هذه الشخصية المؤثرة والمركبة فمنهم من أقسم بأنه السياسي الأهم والأكثر تأثيراً في النصف الثاني من القرن العشرين، ومنهم من يعتبره مجرم حرب تقتضي محاكمته والزج به خلف القضبان فوراً.

وبالرغم من محدودية الفترة التي خدم فيها الرجل بصفة رسمية في الولايات المتحدة؛ بداية كمستشار في مجلس الأمن القومي منذ عام 1969 في حقبة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون، وبعد ذلك كوزير لخارجيته، ومن ثم لخلفه الرئيس جيرالد فورد حتى عام 1976، فإنه كان من أكبر المؤثرين وصانعي السياسات الخارجية الأميركية.

فيحسب له أنه صاحب النظرة الفاحصة الدقيقة التي تمكنت من «اختيار» الزعيم الصيني دينغ زياو بينغ، وهو الذي كان يحتل المركز الثالث في الترتيب بين قادة الصين وقتها بعد كل من ماو تسي تونغ وتشوان لاي. رأى كيسنجر في دينغ الشخصية الهادئة والطامحة في آن، وأدرك أنه أمام نمط مختلف من قادة الصين، ومن الممكن إنجاز مسار جديد معه يغير التاريخ، وكانت هذه أولى خطوات إخراج الصين من المدار السوفياتي وإدخالها في عالم السوق والرأسمالية. وهي نفس المنهجية التي اتبعها كيسنجر لاحقاً مع الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وساعدت في إخراج مصر من الحقبة السوفياتية تماماً.

وهناك فريق يمجد إنجازات هنري كيسنجر بشكل مبالغ فيه مكنه من أن يحتل مكانة مميزة وفريدة من نوعها في العالم السياسي بعد خروجه من منصبه الرسمي وانطلاق عمله الاستشاري، فبات يقدم المشورة لحكام البيت الأبيض وكبرى الشركات متعددة الجنسيات وحافظ على علاقات مميزة مع زعماء أوروبا وروسيا والصين، وأصبح أحد أغلى المحاضرين في العالم.

من أهم عشاق كيسنجر، الذي كال المديح له في كتابه الأخير، الدبلوماسي الأميركي مارتن إنديك الذي قال عنه في كتابه بعنوان «المتحكم في اللعبة»: «كيسنجر هو المعلم الأهم في تاريخ صناعة السلام أو عدم صناعته»، ولم تكن شهادة إنديك الوحيدة من نوعها بحق كيسنجر، الذي حاز جائزة نوبل للسلام عام 1973، ولكن شاركه في ذلك الصحافي الأميركي المخضرم والتر إيزاكسون، وهو المتخصص في كتابات السير الذاتية، وقال عن الرجل في كتابه المعنون بكيسنجر: «العالم كان سيفقد الكثير ولن يكون كما أصبح من دون هنري كيسنجر».

وفي المقابل، هناك من يرى هنري كيسنجر شرّاً بحتاً ومجرم حرب بامتياز يستحق أقصى العقوبة ويحمله مظالم ومجازر ودماء آلاف الأبرياء في تشيلي وكمبوديا ولاوس وفيتنام.

وقد قدم وجهة النظر هذه بشكل حماسي ومقنع الكاتب الأميركي كريستوفر هيتشنز في كتابه المهم «محاكمة هنري كيسنجر»، الذي قال إن حجم الجرائم التي نفذ من تحمل عقوبتها هنري كيسنجر لا يليق بأي ديمقراطية غربية، وطرح هيتشنز يذكرنا بما سبق أن قاله الصحافي الأميركي الشهير سيمون هيرش في كتابه الأكثر مبيعاً بعنوان «ثمن القوة... كيسنجر في البيت الأبيض»، يحكي فيه عن استغلال كيسنجر لضعف نيكسون وخوف فورد من بعده لتمرير سياسات وقرارات خطيرة ومثيرة للجدل.

وظف هنري كيسنجر قدراته ونفسه جيداً وأبقى نفسه في دائرة الضوء عبر حراك محسوب جداً ضمن دوائر مراكز صناعة القرار وعبر إصدارات من الكتب المتمثلة في تجربته الحياتية والمهنية وأخرى خاصة بمرئياته السياسية، وارتاح الرجل لفكرة أن تتم الإشارة إليه بحكيم الدبلوماسية الدولية، إلا أن ذلك لم يساعد في دفن أشباح الماضي السياسي المريب التي ظلت تلاحقه في كل مكان، وترجح أنه نفذ من عقاب مفروض على جرائم عظيمة.

ولعل هذا ما يفسر مقولة هنري كيسنجر في وصف حياته التي قال عنها إنها أشبه بعطلة طويلة، ولكني أجد نفسي حائراً في استحضار مقولات من الأدب العالمي لأختم بها هذه الكلمات، فهل أجد ضالتي عند همنغواي ورائعته «العجوز والبحر»، أم عند دوستوفيسكي وتحفته «الجريمة والعقاب»، أم عند ماركيز وإبداعه في «الجنرال في متاهته»؟ فاخترت أن أبقي الخاتمة محيرة تماماً مثل حياة هنري كيسنجر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كيسنجر ومائة عام من العُطْلَة كيسنجر ومائة عام من العُطْلَة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt