توقيت القاهرة المحلي 19:49:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«إحنا غير!»

  مصر اليوم -

«إحنا غير»

بقلم: محمد الرميحي

التقيت به في عاصمة عربية كبيرة بعد أشهر من تحرير ليببا من النظام السابق. كان معارضاً خارج البلاد لسنوات طويلة، بعد ذلك وجد له وظيفة كبيرة توجيهية في النظام الذي أعقب العقيد. أبديت وقتها قلقي على ما يحدث في ليبيا خوفاً من انزلاق إلى الفوضى، خاصة بعد أن تبينت الطريق الصعبة للتغيير في مصر وسوريا وتونس. أجابني بثقة كبيرة «إحنا غير» لا خوف على ليبيا، فنحن «قبائل» متماسكة وإذا اتفقت تلك القبائل فيما بينها تسير الدولة إلى الأمام. بعد بضعة أشهر فقد صديقي مكانه المتقدم في إدارة ما بعد التحرير والتي دخلت لعبة الكراسي المتحركة، وعاد صاحبنا من جديد «معارضاً» لكل التشكيلات التي بالكاد حكمت ليبيا. المرض العربي واحد... ليس هناك أحد «غير» فيما يعرف بالجملوكيات العربية، التي لا هي جمهورية يمكن الركون إلى قواعد تحكمها، ولا هي ملكية من جديد يمكن أن تحكمها قواعد. زرت ليبيا مرة واحدة في إطار مؤتمر «الحوار المسيحي - الإسلامي» في وسط سبعينات القرن الماضي، وشاهدت العجب، من المناظر في ذلك اللقاء الحواري أن وقف أحدهم (من الدول الأوروبية الشرقية وقتها) وكان معمماً بعمامة بيضاء، وقال: أنا وزميلي المطران (رجل ديني مسيحي) وممثل الحزب الشيوعي (كانوا ثلاثة) نشكر الجمهورية الشعبية الليبية على الدعوة. بالنسبة لي وإلى زميل صحافي من الكويت، كان ذلك الإعلان «لافتاً» بشدة، ولكن الأهم من ذلك أن اليوم التالي أعلن عن قدوم «الأخ العقيد» وكان المؤتمر يضم رجال دين مسيحيين وعلماء دين مسلمين. جلس الرجل على كرسي وبدأ نقاشه بالقول لرجال الدين المسيحيين وهم من مداخلتهم كانوا على علم وفير، قال لهم «كل ما تنادون به هو في الإسلام، فاتركوا دينكم وانضموا لنا»! صفق البعض لذلك التدخل «الفذ»! ولكن أنا وصديقي خرجنا من المكان نبحث عن أول كرسيين متوفرين في أي طائرة يمكن أن تأخذنا إلى أي مدينة في العالم، المهم أن نخرج بعيداً عن ذلك الشيء الذي بدا وكأنه «سيرك».
في وقت لاحق، نشرت موضوعاً عن «الديمقراطية العربية بين الحربين»، وذكرت أنها كانت منتعشة نسبياً في أكثر من مكان عربي. للتدليل؛ ضربت بعض الأمثلة، منها المثال الليبي قبل «الثورة الجماهيرية»! فأشرت إلى ما يعرفه كثير من الليبيين من أن مظاهرات خرجت في طرابلس وكان شعارها «إدريس ولا إبليس»، وكان إدريس السنوسي ملك ليبيا، وقد استطردت بالقول «كأن الله قد سمع دعاءهم»! بعد كل هذا الصراع الذي نشاهد في ليبيا في العشرية الأخيرة والذي خلف ربما أول ظاهرة في وجود حكومتين على أرض واحدة، كل واحدة منها تخوّن الأخرى، تبين أن «إبليس» ما زال مخيماً في الشقيقة ليبيا.
اليوم، الليبيون يقتلون بعضهم بعضاً بأسلحة فتاكة ويهدمون ديارهم والأطراف جميعاً تجهر وهي ترسل قذائفها إلى الآخر، بنداء «الله أكبر»! لقد تحولت ليبيا من قبائل كما قال الصديق الليبي إلى «ميليشيات» ترفدها مرتزقة تقاد بسياسيين في الغالب هم «أمراء حرب» يستنزفون الثروة الليبية كي تصب في حساباتهم البنكية خارج ليبيا. الاقتصاد الليبي في ظل هذا الصراع تلقى تراجعات كبرى، وعلى الرقم من الشكوك في البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسات الليبية، فإن الأرقام العالمية تقول إن الديْن العام الليبي يتجاوز 2021 اثنين وسبعين مليار دولار، كما تقول تلك المصادر، إن ثمانين مليار دولار «تبخرت» من الخزانة الليبية في السنوات العشر الماضية، وفي الوقت نفسه وصلت البطالة إلى 20 في المائة.
يحدثنا الراحول علي عتيقة في مذكراته المتميزة، أنه كان وزيراً أيام السنوسي، وأراد الأخير القيام بإجازة في تركيا، فطلب من مجلس الوزراء «سلفة» تساوي خمسة آلاف جنيه إسترليني على أن تقطع شهرياً من مرتبه! ذلك الذي كان يدعى إبليس في زمن «ثورات الضباط العرب» التي اجتاحت بلادنا من المشرق إلى المغرب، الآن من القلة، وسار وراء تلك الشعارات الملايين عمياناً كما يسير القطيع.
أكثر من عقد وتدخلات دولية و«سبعة» - ما شاء الله إن لم أكن مخطئاً في العد - كانوا ممثلي الأمين العام في ليبيا من أجل التوسط بين أمراء الحرب، ومع ذلك لم يتصالح الليبيون مع بعضهم، بل ذهب كل فريق يستنجد بآخرين من أجل نصرته على «أخيه في الوطن»... وهكذا أصبح للأجنبي «برضاء تام من تلك القيادات» مكان بارز في تقرير ما يحدث في ليبيا.
حتى لو افترضنا أن هناك «انتخابات» بشكل ما في المدى المنظور في ليبيا، فإن نتائجها قد تكون معروفة سلفاً، سوف تفرز «زعماء الميليشيات الحالية» في ثياب مدنية لا أكثر، تكراراً مطابقاً لما حدث في لبنان بعد الحرب الأهلية، من البندقية إلى مقعد في البرلمان أو الوزارة، مع تحول الميليشيات إلى حرس خاص.
المعضلة الليبية هي جزء من معضلة عدم القدرة على التوافق في معظم المجتمعات العربية التي تمر بعدد من الأزمات بعضها شبه سلمي وبعضها مسلح، وافتقاد تام للحكمة أو فكرة الشراكة، كل شريحة تزعم أنها تملك الوطن، ويجب أن تتصرف فيه كما يحلو لها. ليبيا بلاد غنية وفي الوقت نفسه تفرز ظاهرة «اللجوء» إلى الخارج بأعداد كبيرة إلى البلدان المجاورة والأفضل في إسطنبول وأوروبا، وربما عدد الليبيين في الخارج اليوم أكثر من عددهم في عهد «الأخ القائد ملك ملوك أفريقيا وإمام المسلمين» رحمه الله.
لا أحد يعرف اليوم ما هو مصير «النظرية الثالثة» أو «الكتاب الأخضر»، ولكن المؤكد أن قيادات ليبية يبدو أنها عازمة في هذا الفترة على كتابة «الكتاب الأسود» في تاريخ ليبيا، بالتعاون مع هذه الميليشيات التي تغذيها القيادات. من أجل تمكين تلك الطبقة من مقدرات الشعب الليبي التي تقوم بابتزاز الشعب واستنزاف أمواله، وفتح الباب واسعاً لصعود قوى إرهابية تهدد المنطقة بكاملها.
آخر الكلام:
لا يخلو المشهد الليبي من فكاهة... فريق يمنع فريقاً من السفر وهو لا يتحكم حتى في أحياء من عاصمته!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«إحنا غير» «إحنا غير»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt