توقيت القاهرة المحلي 20:10:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تونس وعسر الديمقراطية

  مصر اليوم -

تونس وعسر الديمقراطية

بقلم: محمد الرميحي

خرجت تونس من عاصفة الربيع العربي كأيقونة ناجحة في الانتقال السلمي إلى ما بدا أنه ديمقراطية ناشئة ومجتمع مدني، وذهبت معظم التحليلات أن شعباً عربياً يمكن أن يبحر بوطنه في ظل الظروف الصعبة إلى مرفأ آمن، وهذه تونس تخرج لنا دستوراً مكتوباً من أفضل الدساتير بعد اضطرابات عام 2010/ 2011 هكذا سار الحال، وعلى الرغم من أن دستور 2014 الذي صاغه مجلس تأسيسي منتخب من حيث النصوص شبه متكامل، ويحقق غرض الديمقراطية التمثيلية من حيث حرية العمل الحزبي وتمكين المرأة ورعاية الدولة لمواطنيها، وعدداً من الإشارات الإيجابية، إلا أنه سرعان ما تبينت حقيقة راسخة وهي أن (النصوص تختلف عن النفوس)، فلم يكن هناك تقاليد ديمقراطية يمكن لها أن تحمل النصوص إلى سلوك سياسي سوي، ذلك لم يتوفر. فللدستور والدستورية قصة طويلة في تونس منذ أول دستور لها عام 1857 حتى دستور الاستقلال 1961 مروراً بعدد من الدساتير، وقد حكم تونس معظم سنوات الاستقلال حزب يسمي نفسه الحزب (الدستوري)، رغم تلك الأهمية الشكلية للفكرة الدستورية، فإن تغيير الدساتير لا يزال بتلك الخفة التي نشاهد!
تبين في الممارسة - بعد التغيير الجذري 2010 -2011 أن حزب النهضة (وهو شكل من أشكال الإسلام الحركي) اعتقد أو على الأقل النافذون فيه أنه (يملك الحقيقة المطلقة) ليس هذا فحسب، بل في مرحلة تسيده السلطة استنزف مال الدولة التونسية على ما سماه (تعويض المتضررين) والمتضررون هم حصراً مناصروه الذين (اضطهدوا ولوحقوا) في عصر زين الدين بن على! وعلى عكس التجربة المغاربية التي استفادت بشكل ناجح من دعم صندوق النقد الدولي، بُددت ميزانية تونس، وكانت تحقق نجاحاً نسبياً في آخر سنوات بن على، بُددت على الرفاق. زاد الأمر بلة في توزيع وتقاسم المناصب، فتم تطبيق ممارسة في الغالب (عربية) بأن الحزب الحاكم يتحكم في الدولة ويبرر لنفسه إزاحة الفنيين وإحلال السياسيين أو بالأحرى الموالين في الوظيفة العامة، كما تحولت الندوة البرلمانية إلى ساحة لصياح ديكة وقد شهد العالم عدداً من المشاجرات الحري بها أن تقع في الحارات الشعبية وليس في تجمع المفروض أن يكون نخبوياً كالبرلمان.
بقية القصة معروفة، فحدث أن جاءت حركة 25 يوليو (تموز) 2021 محمولة على ازدراء واسع من الممارسة لـ«النهضة» أولاً والممارسة البرلمانية ثانياً، ولم تجد حركة قيس سعيد أمامها إلا أقلية لمعارضتها، إلا أن تلك الحركة كانت تعرف ما لا تريد، ولكن لا تعرف ما تريد على وجه الدقة، وبمرور الزمن والتباطؤ في رسم خريطة طريق لإنقاذ تونس مما كانت فيه، جاءت خطوات الرئيس قيس سعيد بطيئة ومترددة، وأخذت القوى التي باركت أو سكتت عن ذلك التغيير رجاء الأفضل تنفض عن حركة 25 يوليو حتى وصلت إلى كارثة الانتخابات الأخيرة (الفضيحة) فقط أقل من 12 في المائة ممن يحق لهم التصويت ذهبوا إلى صناديق الاقتراع!!
قيس سعيد ذو خلفية أكاديمية وربما هو السياسي الوحيد في تونس منذ الاستقلال الذي يخاطب شعبه باللغة العربية الفصحى نقلاً ربما عن قاعة المحاضرات في الجامعة، إذ كل أو على وجه الدقة معظم السياسيين التونسيين كانوا إما يتكلمون بالدارجة التونسية، أو خليط منها مع العربية والفرنسية.
ملاحظة الحديث بالعربية الفصحى ليست جانبية، إنما هي في صلب الأزمة التي تتبلور أمامنا، إذ كشفت عن انفصال كامل عن الواقع، الذي تكرر في إنشاء لجنة لصياغة دستور ثم تعديله على المستوى الشخصي ومن ثم نشره وتبين بعد النشر أن به أخطاء لغوية فتم سحبه ثم إعادة نشره. لقد قرر سعيد أن يتبع سياسة (الإهمال الحميد) لقوى سياسية بعينها ثم توسع في تلك السياسة حتى غدا خارج كل القوى الحية التونسية.
انتهى الأمر إلى صيغة سياسية هجينة وهلامية ابتعدت عنها معظم القوى السياسية التونسية والنخب، قاد كل ذلك إلى النتيجة الهزيلة في الانتخابات التي تمت في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، حتى اختيار اليوم الذي حرق بوعزيزي نفسه وأشعل الثورة التونسية ليصادف الانتخابات لم يلتفت إليه أحد.
ليس المهم الماضي ولكن محاولة قراءة المستقبل هي الأهم.
من المؤشرات أن الهدف من حركة 25 يوليو 2021 كان تقليص الإسلام الحركي. انتهت سلسلة الأخطاء المتوالية بتقوية شوكة الإسلام الحركي، فقد استطاع الأخير أن يندمج مع مرور الزمن مع كل المتضررين في تيار تحالفي واسع، وبالتأكيد ما إن ينجح ذلك التيار التحالفي في تغيير شيء من الواقع حتى ينقلب الإسلام الحركي على حلفائه كما فعل في كثير من المناطق العربية، فبناء الجبهات في البيئة السياسية العربية دائماً موقت وهش، وذلك ما تكرر في تجارب عربية أخرى كثيرة.
على أقل تقدير فإن تونس لم تنتهِ من الأزمة، هي دخلت أزمة جديدة وقاسية، من مؤشراتها أيضاً عزلة دولية جراء السياسات الطوباوية للأستاذ الجامعي صاحب الخبرة القليلة في السياسة، فلا الجوار الأوروبي مساند، بل ناقد وقد امتنع حتى عن إرسال مراقبين للانتخابات الأخيرة.
من المحتمل أن يظل السيد قيس سعيد في تنفيذ ما يراه، إلا أن ذلك ليس له علاقة بما يعرف بالسياسة الواقعية، فكل ما انتقد فيه «النهضة»، ربما كرره بطريقة أو أخرى، كما امتنع أو تباطأ صندوق النقد الدولي في تقديم قرض مطلوب لتونس لإنقاذ الاقتصاد من التدهور.
القلق أن تسير تونس إلى أحد السيناريوهات؛ إما إلى السيناريو الليبي، وهو تشكيلة من التشرذم الداخلي والتدخل الخارجي، أو السيناريو العراقي، إذ يدفع بعض المتشددين إلى ربح جزء من التونسيين العاطلين والغاضبين إلى مكان نزاع ميليشياوي.
المراهنة الأولى للبعض على أن الطلائع التونسية مختلفة عن بقية العرب في ثقافتها السياسية وأنتجت (ديمقراطية)! اتضح أنها مراهنة خاطئة، وقد ثبت بما يشبه اليقين أن الاستعداد أو التأهيل الثقافي غير كافٍ إن لم يكن معدوماً لاستقبال ثقافة ديمقراطية تؤمن أنه لا أحد يملك الحقيقة الكاملة في إدارة المجتمع الذي لا يدار لا بالآيديولوجيا أو بالطوباوية.
آخر الكلام:
من أقوال الزعيم بورقيبة: (لا أعتقد أن الوقت ملائم للحديث عن الديمقراطية في مفهومها المطلق، فالمجتمعات العربية همشت مفكريها لصالح شيوخ توقف الزمن بهم لأربعة عشر قرناً).

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تونس وعسر الديمقراطية تونس وعسر الديمقراطية



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt