توقيت القاهرة المحلي 10:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهنود بدون تهويل أو تهوين!

  مصر اليوم -

الهنود بدون تهويل أو تهوين

بقلم: محمد الرميحي

في الأسابيع الأخيرة اجتاحت وسائل الإعلام والاتصال العربية حديث مكثف ومشحون بالاستغراب عن وصول أول رجل من خلفية هندية إلى رئاسة وزراء بريطانيا، (هندي في 10 داونينغ ستريت)! ربما أن الظاهرة للبعض جديدة، وربما أيضاً بسبب علاقة قديمة بين بريطانيا وبين مساحة واسعة من الشرق العربي في العصر الحديث يجري الاهتمام بما حدث، إلا أن ردود الفعل تنم عن ظاهرة ثقافية عندنا وليس عندهم، بمعنى أن ذلك الاستغراب هو ناتج من تساؤل كيف يحكم شخص ملون من ديانة مختلفة مجتمعاً جله أبيض وكان (سيداً) في القرنين الماضيين على كم كبير من الشعوب؟ إن ذلك أمر (غير مستساغ) في ثقافتنا السياسية المعاصرة، وأحسب أن ذلك نما فقط في العقود الأخيرة، أما تاريخ الحكم العربي في أغلبه فكان (للغرباء) آخرهم أسرة محمد علي في مصر!
الحدث في بريطانيا طبيعي ونتيجة مسيرة تاريخية طويلة من استعمار بريطانيا للهند ومن ثم جزء كبير من أفريقيا ونقل اليد العاملة الهندية لاستخدامها في الزراعة والصناعة والخدمات التي أقامها المستعمر في تلك البلاد، ثم حاجة الجزر البريطانية لاحقاً إلى اليد العاملة محمولة على أفكار ليبرالية تسوق انتقال البشر والقبول بالألوان والديانات المختلفة تحقيقاً للمصالح الاقتصادية.
في مطلع القرن الحالي نظمت وزارة الخارجية البريطانية ندوة حول (احتمالات الحرب في العراق) وكانت طبول الحرب يرتفع ضجيجها، لفتني قول أحد المسؤولين في الخارجية البريطانية وقتها إن الكثير من قلقه هو ليس حرباً في الشرق الأوسط، ولكن قيام حرب بين الهند وباكستان، لأن ذلك سوف يشيع الاضطراب في المدن البريطانية الكبرى حيث يعيش عدد وازن من الجاليتين في تلك البلاد! واحد من كل خمسة من العاملين في الرعاية الصحية في بريطانيا من أصول هندية!
الحقيقة الاجتماعية الواضحة أن من هاجر إلى بلدان جديدة في العصر الحديث ويحمل علماً ومهنة نافعة أصبح مواطناً (سوبر) إن صح التعبير، وأيضاً ملكياً أكثر من الملك، وقد ثبت في التصويت العام في بريطانيا منذ سنوات للخروج من الاتحاد الأوروبي أن معظم (المهاجرين) صوتوا لذلك الخروج، ولأن الفروق كانت قليلة بين من أراد البقاء وأراد الخروج، فإن من المرجح أن أصوات المهاجرين هي من رجحت الخروج! ذاك من مفارقات الديناميكية الاستعمارية!
ليس جديداً أن يصل شخص من خارج السرب إلى سدة المسؤولية، كان ذلك قبل سنوات قليلة عندما أصبح باراك (حسين) أوباما رئيساً للجمهورية في أكبر دولة حديثة، وأثبت النظرية، فلم يكن متعاطفاً مع (أصوله الثقافية) بل كان (مزايداً) على ضررها، ربما خشية أن يتهم ويلام بالانحياز، فكان أفضل طريق أن ينحاز للجانب المختلف، وبقراءة مذكراته وأيضاً مذكرات معاونيه يمكن الوصول إلى تلك النتيجة. من جديد كامالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي أيضاً من أصول هندية، بل إن عدداً من كبار المسؤولين في دول غربية عديدة من إثنيات مختلفة وكثير منها من أصول هندية، هذا لا يعني أن ليس هناك معارضة (مبطنة) للظاهرة من الدولة البيضاء العميقة.
تاريخ الهند وبريطانيا مثل كل تاريخ الاستعمار فيه خلطة (غير عقلانية) من الازدراء والإعجاب، وهو تاريخ طويل ومتعرج. في عام 1877 رئيس وزراء بريطانيا المحافظ دزرائيلي (من أب يهودي) قرر أن يجعل الملكة فيكتوريا (إمبراطورة على الهند) وقد بدأت الملكية تفقد زخمها في الحكم المحلي وتعوضه في المستعمرات، وفي العيد الذهبي لها جلبت من أجل الاحتفال الكبير عدداً من (الخدم) من الهند لراحة ضيوفها من النبلاء الأوروبيين، كان من بينهم عبد الكريم ذو الأربعة والعشرين عاماً من العمر الذي أعجبت به الإمبراطورة، وقررت أن ترقيه كمعلم لها للغة والثقافة الأوردية (تم إخراج فيلم حول علاقة الإمبراطورة بعبد الكريم) إلا أن اهتمامها بالرجل تحول إلى اهتمام ببلده فتدخلت في الكثير من أمور (درة التاج البريطاني) وقدمت نصائح لنائب الحاكم في الهند للتخفيف من ثقل يد الاستعمار هناك.
التاريخ إذاً قديم وانتقال البشر كان ملازماً للتطور الصناعي والتجاري العالمي، وتاريخ البشرية مليء حتى المعاصر منه بموجات الانتقال، فقد كانت أستراليا هي المكان الذي يُنفى فيه (المجرمون) من الجزر البريطانية، ثم أصبح ما نعرفه اليوم من بلد متقدم.
تطور الزمن الذي قليلاً ما يلحظ في بعض الثقافات هو المؤشر لفهم أعمق لتاريخ البشرية، البعض يقيس الحاضر بالماضي، بل يبقى في الماضي فيفقد الحاضر ويضيع المستقبل.
منذ سنوات قليلة نُشر كتاب مترجم في سلسلة عالم المعرفة بعنوان (أمة من العباقرة) لمؤلفة أميركية هي أنجيلا سايني (متاح على الإنترنت) درست فيه النهضة العلمية الهندية الحديثة، وكيف فسحت العلوم القديمة في المجال للعلوم الجديدة من خلال إرادة قيادة واعية. وسردت الكاتبة قصة إصرار جواهر لال نهرو على التعليم النوعي الحديث، وبدأ ما يعرف اليوم بـ«I I T» وهي معاهد متقدمة تسمى المعاهد الهندية للتكنولوجيا، شرع بمعهد واحد ثم أصبح هناك ثمانية معاهد في عموم الهند، يتكالب عليها الطلاب الهنود وتقبل الأفضل تأهيلاً منهم... هذه المعاهد أصبحت تقريباً بسوية أو تتفوق في مناهجها على أفضل الجامعات الغربية، كمّ كبير من الخريجين أصبحوا اليوم قادة في شركات وادي السيليكون الأميركي وأصبحت مدن هندية منتجة للتقنية والابتكار، هذا لا يعني أن الهند حتى اليوم لا تعاني من مشكلات هيكلية في كل من الاقتصاد والسياسة ولكن حلت كثير منها بالعلم الحديث.
ببساطة الاستثمار في البشر عن طريق العلم الحديث هو الرافعة ليس دونها رافعة أخرى للتنمية من جهة، وخدمة البشرية من جهة أخرى. ناقش بعض المحافظين في الهند حول إبقاء تلك الكفاءات في الداخل إلا أن العقل العلمي تغلب على تلك النزعة التقليدية وقرروا ترك الأمر لكل شخص يبقى أو يهاجر، وكانت نظرتهم صائبة، فقد قام أولئك المهاجرون بإرسال طلبات شركاتهم من جديد إلى الهند وتشغيل يد عاملة كثيفة في الوطن الأم.
المجتمعات تبحث عن الكفاءة وتدار بالعلم الحديث وتستثمر في البشر عن طريق تجويد التعليم... أما تلك التي تدار بالآيديولوجيا فواضح أنها تخسر الرهان.
آخر الكلام:
وصل الهنود إلى دول الخليج مع ظهور النفط، عمال شبه مهرة، وتجار بعد ذلك، وأصبح اليوم في الخليج ما يقدر بنحو عشرة ملايين نسمة من القارة الهندية، لهم مدارسهم ومؤسساتهم وتجارتهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهنود بدون تهويل أو تهوين الهنود بدون تهويل أو تهوين



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt