توقيت القاهرة المحلي 09:37:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماكرون وقراءة مغايرة للتاريخ

  مصر اليوم -

ماكرون وقراءة مغايرة للتاريخ

بقلم - جبريل العبيدي

الجمهورية الخامسة جمهورية الحرية والعدل والمساواة والمواطنة، يبدو أن رئيسها ماكرون، الذي بالكاد تفوق على منافسته الشعبوية مارين لوبن، بفارق ضئيل، لا يرى التاريخ الجزائري المؤلم من خلال المليون شهيد إبان حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر، ولهذا يطلب إعادة كتابة التاريخ عبر لجنة مؤرخين، وكأن لسان حاله في أول زيارة له للجزائر بعد جفاء وفتور في العلاقات تجاوزا الثلاث سنوات جراء تصريحات سابقة له أنكر فيها التاريخ الاستعماري الفرنسي للجزائر وبشاعته، وإن كان اليوم اعترف فقط بأنه تاريخ مؤلم للفرنسيين والجزائريين، وكأنه يساوي بين الجلاد والضحية في المعاناة والشعور بها في ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر التي وضعت أوزارها عام 1962 بعد أن أفنت قرابة المليون جزائري، وكادت تطمس الهوية العربية للجزائر ضمن مشروع فرنسا بفرنسة الجزائر.
الرئيس ماكرون، يرفض الاعتذار للجزائر عن جرائم الاستعمار الفرنسي، فهو لا يزال غير مقتنع بذاكرة تاريخ الاستعمار الفرنسي للجزائر، ولهذا قام بتكليف الباحث الفرنسي بنغامان ستورا، بإعداد تقرير حول «ذاكرة الاستعمار وحرب الجزائر»، مما يؤكد أن الرئيس الفرنسي لا يزال يشكك في تاريخ الجزائر، الأمر الذي لا يقبل أكاديمياً ولا حتى دبلوماسياً من رئيس دولة بحجم فرنسا، فالتشكيك في التاريخ لم يسبقه إليه أي رئيس فرنسي سابق بمن فيهم ديغول نفسه.
محاولة ماكرون إعادة كتابة التاريخ وصياغته بالشكل الذي يجنبه الاعتذار عن جرائم ليس هو من ارتكبها، تجعلك تفكر في السر الذي يدفعه إلى هذا الأمر؛ هل هو محاولة منه لتجنيب فرنسا ضخامة حجم التعويضات التي ستترتب على الاعتراف بجرائم الإبادة، أم أن الأمر يقف عند عُقد التفوق والتعالي التي تلمسها في تشكيك الرئيس الفرنسي والنزعة الشعبوية المخفية، حتى وإن كان الرئيس ماكرون قد خاض الانتخابات الفرنسية ضد التيار الشعبوي المبني على العداء للغريب والأجنبي، الذي يتقاطع مع النازية والفاشية اللتين تؤمنان بتفوق ما تسميانه الجنس الآري، وتصادم الحضارات وتفوقها، وانتشار مفهوم العرق السيد Master Race، ونظرية تفوق الجنس، كما كان يؤمن النازي هتلر والفاشي موسيليني.
تعالي الرئيس ماكرون عن الاعتذار ورفضه له، بل إنكاره لصيغة التاريخ الحالي، جميعها شواهد تجعله لا يختلف في مفاهيمه التاريخية عن التيار الشعبوي في فرنسا، حتى وإن خاض الانتخابات الرئاسية منافساً له.
الرئيس الإيطالي سلفيو برلسكوني، كان الوحيد بين القادة الأوروبيين الذي اعترف ببشاعة الحقب الاستعمارية للبلاد العربية، فقد اعترف واعتذر عن فترة الاستعمار الإيطالي لليبيا، وعقد اتفاقية للتعويضات مع الجانب الليبي.
اتفاقية إيطاليا ليبيا لطي صفحة التاريخ الاستعماري قد تكون نموذجاً لباقي الدول التي تعرضت لاستعمار أو إبادة في تلك الحقبة، فلا يمكن طي صفحة الماضي وبشاعته بمجرد الشعور بالقلق أو التعبير عن تفهم المعاناة وآثارها، كما يعتقد الرئيس ماكرون الذي لا يزال يتجاهل التاريخ بل ويكذبه، فكونه يطلب تشكيل لجنة مؤرخين لحقبة تاريخية كتبت عنها عشرات الموسوعات التاريخية، وتناولتها عشرات الرسائل البحثية بين ماجستير ودكتوراه حتى في فرنسا وكبرى جامعاتها وأعرقها جامعة السوربون، يصبح طلبه إعادة كتابة التاريخ محاولة بائسة لإطالة التفاهم الحقيقي حول اعتذار وجبر الضرر وتحقيق العدالة الانتقالية، خصوصاً أن حجم الضرر ليس بالهين ولا هو بالمخفي للعيان.
فالحديث اليوم عن شراكة استراتيجية بين فرنسا والجزائر، لا يمكن أن تتقدم قيد أنملة ما لم يغلق ملف ذاكرة الحرب المؤلم بجبر الضرر وتحقيق العدالة للضحايا.
سواء اعترف ماكرون أم نفى التاريخ، ستبقى حقبة الاستعمار الفرنسي في الجزائر جريمة ضد الإنسانية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماكرون وقراءة مغايرة للتاريخ ماكرون وقراءة مغايرة للتاريخ



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt