توقيت القاهرة المحلي 23:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا وفوبيا الأحزاب

  مصر اليوم -

ليبيا وفوبيا الأحزاب

بقلم - د. جبريل العبيدي

منذ أن تمت شيطنة الأحزاب السياسية في ليبيا عبر أزمنة وأنظمة مختلفة، لم تشهد ليبيا أي نضوج للممارسة الحزبية، على الرغم من قِدم التجربة الأولى لظهور الأحزاب وتكوينها في ليبيا منذ عهد الاستعمار الإيطالي، إذ شهدت البلاد بداية نشوئها، إلا أن المواطن قاطعها لكونها كانت تحت راية المستعمر الاستيطاني، مثل الحزب الفاشي الجمهوري، الذي حاول جعل ليبيا شاطئاً رابعاً لروما، ومن الليبيين رعايا طليان من الدرجة الثانية.

الأحزاب السياسية التي ليس لها تاريخ ممارسة طويل في ليبيا، على الرغم من أن بعضها له تاريخ نشأة طويل تسبق تلك التي في بعض بلدان الجوار الليبي، والسبب قد يعود لانقطاع التجربة الحزبية الليبية لفترات طويلة في أزمنة مختلفة، فبعد قطيعة 42 عاماً زمن القذافي، حيث تم تخوين وتجريم الأحزاب وفقاً لشعار القذافي «من تحزب خان»، إذ سيطرت آيديولوجية الكتاب الأخضر في النظام «الجماهيري» الذي كان يتبنى نظام المؤتمرات الشعبية الموزعة على المدن والقرى سيطرة مطلقة طيلة تلك الفترة التي شهدت منعاً، بل وتجريم الأحزاب بشتى أنواعها، وإن كانت حركة اللجان «الثورية» زمن القذافي بمثابة حزب حاكم وحيد مارست السلطة والقمع أحياناً، تحت شعار «الشرعية الثورية»، وتصادمت حتى مع أنصار الفترة الإصلاحية التي قادها القذافي الابن سيف في الألفية الثانية، عندما رفع شعار ليبيا الغد، والذي سرعان ما أفسدته جماعات الإسلام السياسي، بعد تسللها إليه وتبنيها المشروع وتقديمها المراجعات الفكرية بعد أن أخرجوا من السجون، التي سرعان ما اتضح أنه سراب وتقية مارستها لخروج أعضائها من السجون، ليقبع سيف الإسلام القذافي مكانها في سجونها حيناً من الدهر، قبل أن يخرج ضمن العفو العام.

الأحزاب السياسية كثيراً ما تعتريها شبهة توريد مشروع خارجي معادٍ للدولة والحاكم طبعاً، خصوصاً إذا أخفت مصادر تمويلها أو ارتبطت بمشروع خارجي قبل الوطن، ولهذا لم تكن سلطات ولا أفكار القذافي فقط من منعت الأحزاب، بل حتى الملك الراحل إدريس السنوسي فعل ذلك، وتم حل ما تشكل منها مثل جمعية عمر المختار، رغم دورها النضالي البارز، ففي ليبيا تربى المواطن العادي والبسيط على الخشية من الأحزاب، والسلطة الحاكمة نفسها كانت تخشى منها، لأن الجميع اتفق على أن الأحزاب خطر يهدد الدولة سواء الملكية والقصر والعرش وحتى الجماهيرية والزعيم والخيمة، فتمت شيطنة الأحزاب على فترات طويلة من التاريخ الليبي، خشية المد القومي أو العقدي، ولعل سوء التجربة وفشل جل الأحزاب الناشئة في تقديم أو طرح مشروع نهضوي يمكن أن يؤسس لممارسة ديمقراطية صحيحة لا تتلون بآيديولوجيات عابرة للحدود، كتلك التي مارسها تنظيم جماعة الطاعة للمرشد، ما أسهم بشكل فاعل في شيطنة الأحزاب جميعها دون استثناء، حتى بعض تلك التي أظهرت شعارات مدنية لم تكن في ممارستها قادرة على إقناع الناخب بمشروعها البديل عن دولة المرشد، أو دولة «الخلافة»، الذي كانت تقدمه أدبيات وممارسات أحزاب الإسلام السياسي قديماً وحديثاً، وإن لبست جلابيب مختلفة الألوان، ولكنها حيكت من القماش نفسه.

رغم أن أعرق الديمقراطيات في العالم أثبتت الأحزاب فيها أن الممارسة الآمنة للديمقراطية كانت عبر المنافسة الحزبية في تقديم خدمة أفضل، ومشروع سياسي يمكن التعويل عليه، ليس لنقاوتها من أرباب المال الفاسد، ولكن لقوة القانون والنظام الرقابي في تلك البلدان لتتبع تمويل تلك الأحزاب وعلاقتها بالخارج، ولكن الأمر في بلدان الشرق الأوسط وليبيا ليست استثناء، فكانت على العكس تماماً، لدرجة مجاهرة البعض بأسماء الداعمين والمتغولين والنافذين فيها من خارج حدود الوطن، ولكون تلك الأحزاب في أغلبها كانت لا تحمل جدية في تعاطي العمل السياسي، بقدر ما هي تجمع لبعض أصحاب المال السياسي، وواجهة سياسية لأصحاب المشاريع الاقتصادية والمتحكمين في بورصة المال.
المواطن الليبي اليوم يلتمس طريقه المفخخة بالألغام والاغتيالات والإرهاب والتناطح الحزبي نحو وطن وبناء دولة الجميع، يكون المرء فيها مواطناً حراً له كامل حقوق المواطنة، دون الحاجة إلى ملء استمارة انتماء حزبي لينال حقوقه، ولهذا لا نلقي باللوم على المواطن العادي لإصابته بفوبيا الأحزاب، لأننا نخشى أن ممارسة ديمقراطية حقيقية وآمنة لن تتحقق، عندئذ لا يستطيع أحد أن يقنع هذا المواطن بجدوى هذه الأحزاب.


نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا وفوبيا الأحزاب ليبيا وفوبيا الأحزاب



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt