بقلم: جبريل العبيدي
الإجابة عن عنوان المقال نجدها على صفحة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «إكس»؛ فالخطوة آتية ولا محالة نحوها، بعد أن أصبحت غرينلاند قاب قوسين أو أدنى من السيطرة الأميركية عليها؛ خصوصاً أن الجزيرة الغنية بالموارد بقيت تحت الحكم الأوروبي سنوات طوالاً وعجافاً، من دون أن تُستثمر مواردها بالشكل الصحيح حتى لصالح شعبها قليل العدد الذي لا يتجاوز الستين الفاً، رغم أن الجزيرة بحجم قارة، ولعلها تصبح القارة السابعة.
وقال ترمب: «نحن بحاجة إلى غرينلاند... إنها ذات أهمية استراتيجية بالغة. في الوقت الراهن غرينلاند محاطة بسفن روسية وصينية في كل مكان، ونحن بحاجة إلى غرينلاند من ناحية الأمن القومي، ولن تتمكن الدنمارك من توفيره». وفي حين أن معظم سكان الجزيرة يفضلون الاستقلال عن الدنمارك، فإن استطلاعات الرأي تُظهر معارضة واسعة لفكرة أن تصبح جزءاً من الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفع ترمب إلى «رشوة» سكان الجزيرة بتقديم مليون دولار لكل فرد يصوت لصالح الانضمام إلى الولايات المتحدة الأميركية.
صحيح أن غرينلاند تشكِّل أهمية للأمن القومي الأميركي وأيضاً أهمية اقتصادية، وترمب عرض شراء الجزيرة، لكن الدنمارك التي تبعد عن الجزيرة نحو 4000 كيلومتر تصرّ على أحقيتها بحكم الجزيرة التي استولت عليها، مع العلم بأنها ليست من ضمن أراضيها في الماضي.
فغرينلاند «أرض الناس»، بلغة شعب الإنويت، وبالدنماركية: «الأرض الخضراء»، ثاني أكبر جزيرة في العالم بعد أستراليا، تقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي، شرق كندا، وهي مأهولة على فترات زمنية ضاربة في التاريخ وما قبله، على الأقل من قبل شعوب القطب الشمالي الذين هاجر أسلافهم إلى هناك فيما يُعرف الآن بكندا. في أوائل القرن السابع عشر، وصل الدنماركيون إلى غرينلاند من خلال التجارة والنفوذ، وفي القرن العاشر وصل الفايكنغ والاسكندنافيون حتى أكدت الدنمارك السيادة على الجزيرة، وأصبحت غرينلاند دنماركية في عام 1814، ودُمجت بالكامل في الدولة الدنماركية في عام 1953 بموجب دستور الدنمارك، رغم أن جزيرة غرينلاند تبعد نحو 3500 كيلومتر عن الدنمارك. ورغم حصول الجزيرة على الحكم الذاتي عام 1979، فإن الدفاع عنها لا يزال تحت السيطرة الدنماركية. في المقابل، صعَّد ترمب موقفه بشأن الاستحواذ على الجزيرة من خلال إعلانه أن جيف لاندري، حاكم ولاية لويزيانا الجمهوري، سيصبح المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى غرينلاند. وبدوره قال لاندري إنه يخدم في منصب تطوعي لجعل غرينلاند جزءاً من الولايات المتحدة.
استراتيجية ترمب الأخيرة للأمن القومي بـ«نصف الكرة الغربي» (المنطقة التي تشمل كامل الأميركتين) هي السيطرة على منابع النفط، ولعل ما حدث في فنزويلا أكبر مثال على مفهوم السيطرة، أي «الأنا والآخر».
فمفهوم «الأنا والآخر» كان واضحاً من خلال دبلوماسية إحراجات دونالد ترمب للرؤساء والضيوف، التي لا تنتهي، ولكن هل ستكون نهاية للترمبية السياسية في الشارع الأميركي والحالة الشعبوية التي عززها ترمب، وهذا ما جعله يذكّر الأوروبيين بأن لولا أميركا لكانت أوروبا اليوم تتكلم لغة الفوهرر، اللغة الألمانية، في إشارة للحرب العالمية الثانية وتمدُّد أدولف هتلر نحو أوروبا وبريطانيا «العظمى» التي كادت تتكلم الألمانية، لولا تدخل أميركا؟ وجاء هذا التذكير بعد أن قامت أوروبا بإرسال جنود بشكل رمزي إلى غرينلاند، لكي تحرج ترمب وتقول إن أي احتلال أميركي عسكري للجزيرة سوف يواجه بالقوة الأوروبية.
أزمة الهوية، وصراع «الأنا والآخر»، وشعبوية ترمب السياسية، كلها أمور تدخل في صلب السياسة الأميركية، خصوصاً الخارجية، وتخضع لاستراتيجية مرسومة لسنوات، وليست رهينة لأشخاص، وإن كانت تأثرت بالحالة الترمبية، إلا أن مسارها ثابت أياً كان ساكن البيت الأبيض؛ فترتيب المصلحة والأولويات سيختلف بحكم المصلحة الأميركية، فأميركا خطها السياسي براغماتي بالمطلق.ولكن يبقى السؤال: هل سيستطيع ترمب السيطرة على ملفات معقدة كثيرة، منها حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل، والملفات النووية في إيران وكوريا الشمالية، والصراع بين الهند وباكستان، والحرب في أوكرانيا؟ في حين أن جميعها ملفات ملتهبة لا يمكن تسويتها من خلال مفهوم «الأنا والآخر»، المنهج الذي يستخدمه ترمب حالياً، وهو ما قد يتسبب في خسائر أميركية كبيرة؛ إذ ليس كل من زار البيت الأبيض من الدول المطالبة لدعم أميركا لها فحسب، بل هناك شركاء حقيقيون يمكن أن يحققوا نفعاً ومصالح حيوية لأميركا.
السؤال المفصلي: هل ستتوقف طموحات ترمب عند غرينلاند فقط؟ أجاب البعض أن كندا هي الخطوة المقبلة ضمن طموحات ترمب المعلنة، وليست الخفية، فالجغرافيا تتغير، سواء بالشراء بالمال أو عبر الأساطيل. ولم يعد ممكناً وجود موارد وثروات مخبأة تحت الثلوج من دون العمل على استغلالها، كما هو الحال في غرينلاند، في ظل وجود من يستطيع إخراجها والاستفادة منها.