توقيت القاهرة المحلي 01:25:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سدة شارعية قبل أن تكون سياسية

  مصر اليوم -

سدة شارعية قبل أن تكون سياسية

بقلم : أمينة خيرى

  على سبيل الاستقصاء ومن باب الاحتياط قبل إصدار الأحكام وإطلاق الاتهامات، كانت جولة صغيرة بين أطراف المشهد الفوضوى الغوغائى الذى نعيش فيه كفيلة بالإيقاع فى مزيد من الحيرة. فى الكوربة -أحد أحياء مصر الجديدة الراقية الجميلة سابقاً القبيحة الفوضوية حالياً- وفى صباح يوم من أيام منتصف الأسبوع، كان المشهد كالتالى: سيارات ملاكى وأجرة مصطفة صفوفاً ثانية وثالثة، بالإضافة إلى الصف الأول المتأرجحة أماكنه بين عربة بيع الموز وقراطيس حجز الأماكن أمام المحلات ومقاعد المقاهى الزاحفة والمتوغلة والمستوحشة دائماً وأبداً على حرم الطريق.

حارة واحدة متاحة لمرور السيارات، وذلك فى حال لم يقرر سائق ميكروباص أن يقف ليشعل سيجارته أو يحمل مزيداً من الركاب أو يتخلص من بعض منهم. وعلى جانب الطريق يقف أمينا شرطة ومعهما الباش سايس المعروف للقاصى والدانى فى المنطقة. كلمة من هنا وكلمة من هناك عن حال الشارع وسبب عدم تحرير مخالفات لهذه الكوكبة من المصطفين خارج القانون أدت إلى انصراف أحد الأمينين لشعوره أن الحديث لا يهمه. أما الآخر فقد كان أكثر حماسة وصدقاً، حيث أكد أن الغالبية المطلقة ممن يوقفون سياراتهم فى الممنوع هن زوجات وبنات ضباط شرطة وجيش! وبسؤاله عن هذه المعلومة العجيبة، قال إنه كلما همَّ بتحرير مخالفة لإحداهن باغتته بقولها: «ما تعرفش أنا مين؟»، وهى العبارة التى لا تعنى بالنسبة له (على افتراض صحتها) إلا أن قائلتها زوجة ضابط!

ولما سمع السايس سيرة الضابط لم يتوان عن التلميح والتلويح إلى أن الأمناء هم من يقومون بالعمل كله، ويطيقون ما لا يطيقه بشر من مجهود وصعوبات ومشكلات، فى حين أن الضابط راتبه أضعاف راتب الأمين ومهام عمله أهون وأسهل. وبسؤاله عن موقفه فى حال تخرج ابنه فى كلية الشرطة ووجد نفسه يتقاضى راتباً يوازى راتب أمين الشرطة نفسه؟ قال: لا طبعاً، أمال هو دخل الشرطة ليه؟! ما كان دخل معهد الأمناء وخلاص. ويعود الأمين الذى يدق على أوتار الدخل المتدنى والمعاش المستحق بعد سنوات الخدمة المتقلص.. إلخ. ولا تفلح جهود إعادته إلى المسار الأصلى للحوار حيث سبب ترك الساحة لكل هؤلاء المخالفين الذين يتركون سياراتهم فى رعاية السايس ومرمى نظر ووجود أمناء الشرطة حيث الأمر لا يعنيه كثيراً.

وعلى مرمى حجر وربما حجرين وفى شارع من أهم وأكبر شوارع مصر الجديدة، توك توك يقف فى إشارة روكسى المركزية، ولا تبدو على ملامح سائقه أية ملامح توتر أو أمارات تخوف، بل يدخن سيجارته بسعادة غامرة، ويسمع موسيقى مهرجاناته باستمخاخ واضح. ولمَ لا يفعل، وأمامه سيارة تحمل لوحة أرقام لدولة هولندا ودراجات بخارية تحمل لوحة تعريفية «صلى على النبى»؟

هذا المشهد الذى بات عادياً معتاداً لم يعد يستوقف كثيرين، صحيح أن البعض -وأنا منهم -يمارس الهبد والرزع على «فيس بوك» و«تويتر»، وأحياناً يثير البعض من الإعلاميين والصحفيين -وأنا منهم- مثل هذه المسائل الفوضوية العشوائية، إلا أن النتيجة «ولا حاجة». سألت مراراً من قبل: «أين يذهب رجال المرور؟»، واستنكرت بشدة أن يتم تعطيل إشارات المرور التى عاودت الظهور فى بعض الميادين والشوارع الرئيسية، وأن تكون مهمة اللجان المرورية فقط التدقيق فى رخص القيادة، لأن كوارث القيادة أفدح بكثير من التدقيق فى الرخصة، وعداد قتلى الأسفلت فى بلدنا دال، وحال أخلاق الشارع لدينا أقل ما يمكن أن توصف به هو أنها ما بعد الكارثة بقليل. والحقيقة أن الكارثة تكتمل وتتأزم بردود فعل البعض من مسئولى المرور الذين إما «يناشدون» المواطنين التزام قواعد المرور (رغم أن منهم ومن قادة سياراتهم كثيرين لا يلتزمون)، أو أنهم يدافعون مستنكرين: «وهل نعيّن عسكرياً وراء كل مواطن؟».

مرة أخرى، توجيه اللوم والانتقاد للمسئولين عن المرور لا يعنى تقليلاً من دورهم، أو انتقاصاً من حجم الضغوط الواقعين تحتها، أو تجاهلاً لمصاعب الحياة التى يتعرضون لها، لكن المركب الذى نستقله جميعاً واحد، ومحاولات إغراقه المستمرة لا تقتصر فقط على المؤامرات الخارجية وجماعات الشر الداخلية والأوضاع الإقليمية والانتكاسات الدولية، لكن حجم الضرر الذى نلحقه بأنفسنا هائل.

وما دمنا فى وضع سياسى لا نُحسد عليه، فلماذا لا نوجه اهتمامنا لحال الشارع؟ ولماذا لا نعتبر ضبط الشارع طريقاً وسبيلاً إلى ضبط العنصر البشرى الذى بات أغلبه يستعذب الفوضى ويطرب للعشوائية، والبعض الآخر فقد الأمل وسلّم نفسه للإحباط لأنه لا يمثل سوى أقلية مستاءة وغير قادرة على الاحتماء فى القانون بعدما تخلى القائمون عليه عن دورهم؟! وأذهب إلى القول بأن ضبط الشارع قد يكون وسيلة لضبط السياسة: فمن يقوم بإيقاف سيارته فى الممنوع، أو قيادتها دون لوحة أرقام، كيف له أن يتمتع بفكر سياسى حكيم أو يمتلك بدائل ديمقراطية حقيقية؟ إنها سدة شارعية قبل أن تكون سياسية!

نقلا عن الوطن القاهريه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سدة شارعية قبل أن تكون سياسية سدة شارعية قبل أن تكون سياسية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt