توقيت القاهرة المحلي 02:59:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

روائح.. ومذاقات

  مصر اليوم -

روائح ومذاقات

بقلم - ماجدة الجندي

 كانت القرفة مطحونة أعوادا، على رأس ما جلبناه من السوبر ماركت العربى فى شيكاغو، قبيل رمضان. أكياس الملوخية المجمدة.. برطمانات ورق العنب المحفوظ, علب الرقاق المجفف، لفائف قمر الدين، أما الفول فكان حاضرا من الأمازون اون لاين.. رسمت وحفيدى فوانيس ورقية.. وأهدته «مه هدية» حضرها له رمضان واتفقت معه انه سوف يشاركنا الصوم لمدة ساعتين فى اليوم..تغرب شمس هذه البلاد البعيدة بعد الثامنة بدقائق.. ويحين الفجر بعد الثالثة صباحا بعشرين دقيقة.. قبيل المغرب بساعة، ضبطت تقنية الساوند كلاود على صوت الشيخ رفعت.. وعرفت الطريق الى الأذان بصوته الرخيم.

لم يفتن تحديد مواضع ابتهالات النقشبدى ..عززت مواقع اليوتيوب والساوند كلاود، بورقة مكتوبة وضعتها فى المتناول، بحيث يصير الإيقاع فى تتال يوحى كأن شيئا لم يتغير.. القرآن فالأذان.. ثم الابتهالات..اخذت ما يكفى من التدريب لأصنع عجينة القطايف فى البيت واطمأننت الى أن الاقراص المحشوة بخليط يحوى بعض القرفة، سوف يؤنس الإفطار فى الغربة.

كنت أريد أن أقبض على «بروائح» و»بمذاقات» و«أصوات» بعينها، هى ما تبقى .. ظننتها قادرة على استعادة زماني.. وملء المقاعد الشاغرة.. تفصلنا، ابنتى وحفيدى وأنا ، ثمانى ساعات عن تلك البلاد القصية التى يتناول فيها ابنى إفطاره ، وسبع ساعات عن الارض التى ما غادرناها إلا بأجسادنا.. لا يبدأ كل المسلمين اول ايام رمضان معا فى تلك البلاد البعيدة.. تربطهم أحبال سرية بمواطنهم الاولي.. قد تساعدك التقنيات الحديثة على إمكانية استحضار مفردات «الونسة».. او ربما تتصور لوهلة انك غلبت وغالبت «الوحشة» .

ربما تدعم إحساسك بمشاهد على شبكة التواصل الاجتماعي، كتلك التى وضعها احدهم ..«فيديو» صوره من اعلى الفندق الموجود فى ميدان سيدنا الحسين.. قبيل أذان المغرب وقد غطت الموائد الإفطار ساحة الميدان، والناس التى لم تجد موضعا تفترش الارض حول الاطباق ، واصوات تختلط خلالها التلاوة و صلصلة وكلام الناس. أغمضت عينى علنى أنجح فى اصطياد هذا المزيج الذى تعودته فى الحسين والذى كنت أستشرف به أمان الوصول..مزيج من رائحة التوابل والكباب والمسك والغبار المنبعث من ترطيب ارض الشارع بعد العصاري.. كيف يمكن ان تنصت للروائح وان تراها معا.. كيف يكون لحاسة الشم آذان وعيون وملمس؟ كيف لرائحة ان تبكيك وتشقيك وتؤنسك وترضيك..، وتمنحك الأمان لو لزم الامر انت تحاول.. ان تكون هناك وانت هنا او تكون هنا وانت هناك.. تتابع ما يشاهده الناس.. تصطنع نفس الإيقاع، حتى الإعلانات لا تنساها.

لكن الحقيقة انك هنا وروحك هناك، او بالاحرى إن «ال هنا» الحقيقية، هى التى «هناك» وأن كل محاولاتك، ولهثك للإمساك بما تتصوره يصنع حضورا حميما، عاجز امام استعادة حضور الروح التى تركتها هناك..هو ليس انشطار ما بين جسد وروح بل هو الغياب أو اللاحضور، لأن الوجود روح أولا .. قد لا تملك شجاعة أن تواجه نفسك بحقيقة ما تحسه، فتمعن فى استجلاب ما تعودت من روائح.. طبق فول بالثوم والطماطم.. طشة ملوخية.. قالت لى جارتى وهى تحييني، انها تستمتع بما ينبعث من روائح الطعام القادمة من شقتنا، وبعد ضحكات تبادلناها ووعد منى لها ان نتشاركه ذات مساء، اخذت طريقى الى خارج البناية علنى أجدها.. كنت افتش عن تلك اللحظة التى تستبق الأذان بساعة والتى كنت أخرج فيها الى الشرفة، فى استراحة محارب اطمئن الى ما تحويه القدور وأهدىء من مواقدها، وسقى الكنافة الساخنة المعطرة بالقرفة، بالشربات، وأروح بثقة، أحمل بعض الماء الى نباتاتى فى الشرفة، حيث كان يختار الجلوس فى تلك الساعة، وسطها، مادا بصره، الى الفراغ، تتمايل رأسه بهزات خفيفة مع آيات التلاوة القادمة من الراديو، لم أكن أقطع صمته.

أربت على كتفه، مغمضة العينين، أستنشق بملء رئتي، رائحة القرفة المختلطة، بالرائحة المنبعثة من الزرع بعدما ارتوي، بينما يغرق بيتنا فى سكينة آيات بصوت الشيخ رفعت.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

روائح ومذاقات روائح ومذاقات



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 10:54 2017 الإثنين ,04 كانون الأول / ديسمبر

تجربتي في نزل فينان البيئي

GMT 09:55 2026 الإثنين ,19 كانون الثاني / يناير

فولفو تستدعي 413 ألف سيارة في أميركا لإصلاح خلل برمجي

GMT 00:26 2024 الثلاثاء ,06 شباط / فبراير

الإضاءة الأرضية تساعد في توسيع المساحة

GMT 12:55 2018 الثلاثاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

لائحة ذكريات بين عمالقة الزمن الجميل

GMT 03:48 2019 الأربعاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

الرئيس الأميركي يتحدث عن هدية عيد الميلاد لميلانيا ترامب

GMT 16:32 2019 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد لطفي يتعاقد على بطولة مسلسل” النهاية” ليوسف الشريف

GMT 23:59 2019 الجمعة ,28 حزيران / يونيو

"مرسيدس" تكشف عن النموذج الجديد من سيارات GLB

GMT 08:02 2019 الخميس ,06 حزيران / يونيو

إطلالة غير عادية للنجمات بالبدلة البيضاء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt