توقيت القاهرة المحلي 07:37:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

على الدرب..

  مصر اليوم -

على الدرب

بقلم - ماجدة الجندي

للحنين مأوى.. لما يأخذك دون هوادة وتروح تفتش، باحثاً عما يرطب.. ولو بضع قطرات من ندى.. هكذا أخذنى المسار إلى «ربع السلحدار»، على مقربة من المسجد الحسينى.. يغنيك «أحباؤك» ضمن فيضهم السخى، بطرق ودروب، فإن شبه لك أن حلقاتها «استحكمت»، تطلع إلى المنافذ وإن توارت، فهى ما زالت قادرة على ضخ رفات البِشر، بكسر الباء.. لم ألتفت إلى أكثر من أربعة عقود تفصلنى عن المرة الأولى التى كان فيها مسعاى إلى منطقة الجمالية.. لم ألتفت إلى بطء خطوى وتلاحق أنفاسى.. حتى هبات القيظ لم تقوض شلالات الحنين الغامر، الذى أججته تلافيف روائح المكان.. تستوطن الروح أمكنة وأزمنة.. ولا تستثنى الروائح والمذاقات.. غيرت السنون بعض الظاهر.. ربض كمين شرطى عند مدخل ساحة الحسين، وحال نصف سور حديدى دون المرور بغير تفتيش، هو مجرد نظرة مارقة إلى محتويات حقيبتى.. حقيبتى التى لم تعد تحوى الكثير.. لا كتباً ولا أوراقاً ولا أقلاماً ولا جهاز التسجيل ذا الشرائط.. «عدة الشغل» التى أثقلت حقيبة فوق الكتف لعقود، ما عادت اليد ولا الكتف يقوى.

قبل ما يقرب من أربعة عقود ونصف، حين «انتظرنى» هناك، فى منتصف الساحة ليأخذ بيدى فيما جهلته، وغاب عنى، ولجأت «إليه» فيه، ساعية، علَّ النور يدلنى.. وهذا ما كان.. لم يكن فندق المشهد الحسينى وقتها قد غطى سطحه بالأسقف الخشبية، ولا كانت «فرشات» البائعين، قد تجاورت فيها قطع نحاس فاقدة الروح، بميكنة فى الأقاصى، وثياب ترتر وطرابيش وسبح.. أيامها كان الوصل ما زال قائماً، ما بين الأنامل والأرواح.. بين الأصابع التى تدق النحاس أو التى تخرط الخشب وترصع الأصداف وبين مكنون الصدور.. تعلق قلبى «باللحظة».. لحظة كانت أشبه بغيمة أو بخيمة، نسجها المكان وروائحه، ضوؤه المقطر، وسكينته المتسربة، دون إعلان.. سرنا متجاورين وأصابع يده لا تكف عن الإشارة.. إلى مئذنة هنا وبيت هناك.. لناصية وباب موارب، وبين طرفة عين وأخرى أسترق نظرة «إليك».. شاخصاً إلى ما لا أعيه.. نفس النظرة التى ظلت «مكمناً» لواحات صمت «يبوح».. قرأت فى سرى فاتحة الكتاب: للونسة والألفة والود وحفظ العهود والصفح الجميل.. للإنسانية والتوق دوماً لعالم مزدان بعدل وحرية ورحمة.. لطهارة اللقمة والنوايا والكد.. لمواطن الجمال، لما تصير «قبلة الروح».. «للكتف»، الذى له استندت وأستند، ولمن أزاح ظلمة الروح، وعمر القلب.. مسحت وجهى الغارق فيما بين حبات عرق وعبرات مكتومة، و«ظمأ»، لم تروه زجاجة ماء أحملها.. توقف خطوى هفوت إلى «طعم».. مذاق.. لراحة «بل الريق».. رضا «الارتواء».. كيف يتوحش الظمأ، إلى مدى لا يرويه ماء ولو كان زلالاً.. توازى سيرى باتجاه الدرب، واصطفاف يجاور الأزهر، سيارات شرطة ورجال يتلمسون مساحة ظل.. هجير «الشمس»، مهما قسا، يخف بظل جدار وسقف.. لكن «للروح» هجيرها، الذى لا يرطبه جدار ولا سقف.. ربما يخفف من وطأته، سعى باتجاه «ربع السلحدار».. الذى كان «فاتحة كتاب عيشنا».. أول خطوى على دربك، كان باتجاه «ربع السلحدار» فى خان الخليلى».. أهديتنى إياه حياً.. مُعاشاً (بضم الميم).. كنت «أنت» من فك شفرة أبجدية مصريتى.. عمدت انتمائى.. علمتنى «أن أعرف»، «فأدرك»، «فأحب».. أعرف وأدرك قيمة ما ومن أحب.

بتاريخ موجز لربع السلحدار، لاح دربى.. قبل أن نصعد درجاته المتآكلة لتعرفنى بالحاج «صالح» رحمه الله.. بعض من سلسال الأنامل الذهبية.. حدثتنى عن أنه حوى أنفاس الأفغانى والنديم وسعد زغلول وكيف من قبلهم، آوى إليه شهبندر التجارة.. سوق جهاكس الخليلى، الذى لم أسمع به إلا منك.. هل كان «جهاكس الخليلى» قبل أكثر من أربعمائة عام، يدرك أن «سوقه»، والدرب إليه، سوف يكون بعضاً من السلوى؟.

نقلا عن الوطن

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على الدرب على الدرب



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt