توقيت القاهرة المحلي 18:42:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التمييز على أساس سن الإنسان

  مصر اليوم -

التمييز على أساس سن الإنسان

بقلم : هنا أبوالغار

 التمييز، كلمة تعنى التفرقة فى الحقوق والفرص بين شخص وآخر. تم تناول التمييز من منظور حقوقى واجتماعى وقانونى، على أساس أن التفرقة بين البشر اعتدنا أن نراها على خلفية النوع، أو الدين أو لون البشرة أو الأصول العرقية إلى آخر الأسباب التى نوجدها كمجتمعات فى عالم شديد الظلم لنكسب سلطة وقوى وبطشا على حساب فئات مختلفة عنا.

هناك تمييز قلما يتطرق إليه المهتمون بقضية التمييز، وهو التمييز على خلفية السن، وهو تمييز موجود فى معظم بلدان العالم ومسكوت عنه، لأن مجتمعنا للأسف لا ينتفض دائما للظلم بل إنه كثير ما يبرره أو حتى يتبناه تحت مسميات إيجابية مثل «العادات، التاريخ، الدين، أو حتى الاستسلام لوضع نراه أصعب من أن نشارك فى تغييره»، مسميات هى فى الحقيقة بريئة من هذا التمييز حيث إن القيم الأصيلة التى تبنى الحضارات سواء كانت ثقافية أو دينية أو تربوية معظمها مبنية على مبدأ العدالة فى الحكم والفرص الواحدة، ولهذا فمفهوم التمييز على خلفية عمر الإنسان وسنه بعيدة جدا عن نطاق بصيرتنا حتى للمهتمين بمجال الحقوق.

فلنبدأ بأكثر فئة تعانى من هذا التمييز وهى الأطفال، تخيلوا امرأة أو رجلا بالغا يتم ضربهم على الملأ من قبل شخص أكثر قوة وأكبر حجما منهم، أو يقرر رئيسه مثلا أن يعاقبه على خطأ ارتكبه بأن يحبسه فى مكان مغلق لمدة من الوقت، أو يقوم بإهانته أمام زملائه. كلها أفعال عندما تقع على شخص بالغ تلقى استياء شديدا من المجتمع، بل إن بعضها يقع تحت طائلة القانون، فى حين أن نفس هذه الانتهاكات تمارس بشكل يومى فى معظم بيوت وشوارع مصر ضد الأطفال من قبل أشخاص بالغين منوطين بحمايتهم ورعايتهم تحت مسمى التربية. أضف إلى ذلك أننا وبشكل يومى وبدرجات متفاوتة نأخذ قرارات تمس أبناءنا فى أعمار مختلفة سواء كانت بسيطة أو هامة ومصيرية، من اختيار ملابسهم أو الرياضة التى يلعبونها أو الدراسة التى يؤدونها أو المكان والأشخاص الذين يقضون معهم أوقات فراغهم بدون أن نأخذ رأيهم فى الاعتبار ولا حريتهم الشخصية فى الاختيار. نعطى أنفسنا هذا الحق لأننا بحكم سننا أكبر منهم وفى تخيلنا أكثر منهم معرفة بالأصلح. بالتأكيد أن جزءا من واجبنا نحو أبنائنا هو حمايتهم من أنفسهم وتوجيههم فى عمل الخيارات الصائبة والبعد عن قرارات تضررهم، لكن الخط رفيع جدا بين استخدامنا سلطتنا لصالحهم واستخدامها لفرض إرادتنا الخاصة فى إطار أحلامنا نحن لهم أو حتى مجرد اختيار الأكثر راحة والأسهل لنا بحكم أننا مكبون بهموم يومية كثيرة أو لأننا لسنا مدركين للفارق فى الاحتياجات والرغبات من جيل لجيل، والحقيقة أن الاطفال حتى فى سن صغيرة جدا يحتاجون إلى استكشاف هذه الرغبات وتعلم التعبير عنها وهى مهارة تنضج وتكبر وتتحقق بالممارسة والأهم أنها تحتاج أن نحترمها.

فئة كبار السن هى فئة تعانى من تمييز قد لا نلتفت إليه، بل قد نتناول معاناتهم الناتجة عن تطور عالم التكنولوجيا والذى فرض عليهم على كبر وأصبح جزءا كبيرا من يومنا شئنا أم أبينا، تخيلوا معى شخصا فى السبعين من عمره يأتيه خطاب من البنك بداخله كارت ائتمانه المجدد، مطلوب منه أن يتصل بالبنك ويتعامل مع آلة رد أوتوماتيكية تطلب منه اختيار بالضغط على زر فى تليفونه المحمول ثم يرد عليه موظف قد يجد صعوبة فى تمييز ما يقوله على التليفون بحكم السن، ويسأله أسئلة لتفعيل الكارت تحتاج إلى ردود خاصة بتحقيق شخصيته أو حسابه فى البنك وهو غير جاهز بها، فيتأخر فى الرد ويتوتر الموظف لأنه يريد سرعة فى الإجابة، وغير مسموح أن يرد بالإنابة عنه أى شخص آخر لأن قانون البنك لا يسمح بذلك، فيضطر وهو كبير فى السن وصعب الحركة أن ينتقل إلى البنك بنفسه لتفعيله، فى الطريق إلى البنك يتحرك فى شوارع مزدحمة بسيارات لا ترحم أى شخص بطىء الحركة، ويعتلى رصيف عالى قد لا تسمح صحته بأن يعتليها، إلى آخر كل المصاعب التى تواجهنا جميعا لكنها مضاعفة عندما تكون مسن. أضف إلى ذلك استخراج أوراق رسمية، أو التعاملات الإلكترونية الكثيرة المفروضة علينا فى عصرنا هذا من حجز تذاكر أو دفع فواتير والتى تصعب على جيل تربى على التعاملات الورقية والتى استبدلت فى العالم كله بدون أى نظر إلى صعوبتها على جيل كامل.

أن تكون شابا حديث التخرج فى مجتمعنا يجعلك عادة آخر من يؤخذ برأيه فى مكان العمل، ويضعك فى موقف أضعف فى أى نقاش أو خلاف فى مكان العمل أو خارجه مع شخص أكبر منك سنا مهما كنت على حق أو كانت أفكارك جيدة. أما إذا كنت فى منتصف العمر وخسرت وظيفتك ففرصك فى إيجاد وظيفة جديدة أقل كثيرا لأن صاحب العمل يفترض أن سنك يجعل مستقبلك المهنى أقصر وطاقتك فى العطاء أقل. أما إذا كنت امرأة فى سن الزواج أو الإنجاب ففرصتك أضعف عند التقدم لبعض الوظائف لأنه متوقع أن تأخذى فترات من الإجازة لرعاية أسرتك تجعل فرص تعيينك أقل من قريناتك الأكبر سنا.

كثير مما سبق له أبعاد لا تضع الكفاءة ورجاحة العقل والمهارات الخاصة بكل فرد فى الحسبان فقط بسبب سنه، وهو أمر قد يصعب التغاضى عنه فى بعض الأحوال لكن على الأقل مهم أن ندركه لأن العدالة فى الفرص والحقوق والحكم على الشخص والموقف مفتاح هام لرضا قطاعات هامة فى مجتمعنا ولبناء مجتمعى أكثر توازنا وتناغما بين أجياله المختلفة.

التمييز على أى خلفية يحدث بدون علمنا لأننا اعتدنا عليه، لكن علينا مسئولية أن نبدأ بأنفسنا وأن نعى لأحكامنا وأفعالنا ونتفهم ردود أفعال الآخر حتى لا نشارك فى دائرة الظلم، فهى دائرة مغلقة ستطالنا وتطال أبناءنا إن لم نكسرها.

نقلا عن الشروق القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التمييز على أساس سن الإنسان التمييز على أساس سن الإنسان



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt