توقيت القاهرة المحلي 03:53:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لبنان: كيف يُحمى ويُستكمل قرار الناس بالتغيير؟

  مصر اليوم -

لبنان كيف يُحمى ويُستكمل قرار الناس بالتغيير

بقلم: حنا صالح

لبنان آخر تليق الحياة بشعبه ما زال ممكناً. هذه هي الرسالة الأشد وقعاً للانتخابات التي أوصلت كتلة من النواب التغييرين لم يعرفها تاريخ البرلمانات اللبنانية. نواب طلعوا من وجع الناس، يعكسون الأطياف التي صنعت الثورة، رائدهم انتشال لبنان من الجحيم، باستعادة الدولة المخطوفة بالسلاح والفساد، حملتهم إلى الندوة البرلمانية أكبر كتلة شعبية عابرة للمناطق والطوائف، شكّلت الفئات الشابة قوتها الضاربة.
أمام الزلزال الانتخابي الذي ما زال يتفاعل. وقف طائفيون متهمون بالارتكابات يكابرون، ظنوا أن ثورة «17 تشرين» حالة فولكلورية سيُنهي قمعهم صلاحيتها، فلم يجدوا مفراً من رشِّ السكر على الموت لتغطية الجروح الثخينة التي أنزلها الناخبون بهم. وحده حسن نصر الله الذي أعلن قبل الانتخابات أن هاجس «حزب الله» ليس الحصول على أكثرية الثلثين... قال بعدها: «لا أكثرية في المجلس الجديد، بل تكتلات ومجموعات». وفي مقابل تهديده السابق بقطع يد من يستهدف سلاح «المقاومة»، وتأكيده على الدوام أن المطلوب من الانتخابات حماية «المقاومة»، ويقصد السلاح، اقترح إثر النتائج وضع السلاح جانباً لمدة سنتين، والانصراف لمواجهة الأعباء الملقاة على الناس، وهو يعلم بدقة أن السلاح بات على الطاولة وإن كان متعذراً إيجاد حلٍّ لهذه المشكلة خلال أشهر قليلة.
بالتوازي، كثيرون تحسروا لأن الفرصة لم تُستغل بما فيه الكفاية، لكن ما يشفي الغليل أن نظرة هادئة إلى الحدث، متمعنة بالوقائع، تخرج بانطباع يؤكد أن اللبنانيين اخترقوا الجدران الموصودة، ومنحوا البلد فرصة حقيقية للحياة، عندما أسقطوا الأكثرية السابقة التي كان يتحكم بقرارها ويديرها «حزب الله». ومع هذا الحدث، ورغم استمرار هيمنة الدويلة، المدججة حتى الأسنان سلاحاً ومالاً، لم يعد يستقيم القول إن بيروت واحدة من العواصم الأربعة التي يهيمن عليها ملالي طهران!
كان هناك قبل يوم 15 مايو (أيار)، قناعة راسخة لدى كل القوى بأن التغيير الممكن جزئي محدود وعلى الأغلب يقتصر على بعض الرتوش. وربما ظنّ كثيرون أن الضخ الإعلامي والإحصاءات المعلبة التي كانت تُرمى بكل الاتجاهات، وصولاً إلى تسمية الفائزين قبل أيام على بدء الاقتراع، نجحت في تعميم التيئيس وحققت المراد بإضعاف المشاركة. واستندت هذه الموجة إلى واقع أن «حزب الله» يتصرف باستقلالية تامة عن السلطة، يحدد أولوياتٍ وسياساتٍ يُلزم بها لبنان، ويتهجم ويناصب العداء للبلدان الشقيقة ويستبيح الحدود، ويحمي التهريب ويتغول على السلطات الرسمية، ولا يلقى إلاّ التعامي والتجاهل وإشاحة النظر.
بالخلاصة كانت السلطة تتغاضى عن الحقيقة والمسؤولية، وتمتنع عن التصرف باستقلالية عن «حزب الله»، والدليل فاجعة التعاطي الرسمي مع تفجير مرفأ بيروت، الذي نجمت عنه إبادة جماعية وتدمير مناطق من وسط العاصمة. فقد ساء الكثير من الأوساط مشهد التقاء المتسلطين على حماية المطلوبين، ومنع قاضي التحقيق من الاستماع إليهم، كما تمت حماية المدعى عليهم بالجناية والفارين من وجه العدالة. كل ذلك حدا بالبعض إلى التخوف من أن «حزب الله» سيحصد «بين 12 و15 نائباً سُنياً»، وبعد الانتخابات «لا يحدّثنا أحد عن الخط الفاصل بين الدولة والدويلة»! لأن «المزاجات الشعبية واضحة»، فالناس «لا تفقه ثقافة التغيير أو التصويت الانتقامي، جُلُّ ما يعرفونه اللا اكتراث»! لكن ما جرى كان مذهلاً عندما تبين أن الانكفاء عن الساحات، نتيجة الـ«كوفيد» والقمع والعوز، لم يكن تخلياً. لقد أعلن المقترعون الانحياز إلى مصالحهم التي تضمنها دولة حديثة، وأثبتوا خروجهم من عباءة الزعيم، والطائفة، وتظهرت ملامح تعافٍ سياسي وطني. يرسم صورته المذهلة الوزير السابق رشيد درباس فيقول: «الناخبون تجاوزوا عجز الناشطين عن التنسيق فنسقوهم رغماً عنهم وأوصلوهم بالإرادة الشعبية بحيث أصبح للانتفاضة عنوان ثابت داخل مجلس النواب».
في 15 مايو (أيار) تحقق انتصار للبنانيين، عندما باحت صناديق الاقتراع بأن الثورة هي الناخب الأكبر، فانفجر الفرح وابتسم لبنان مع الإعلان عن أسماء نواب التغيير الذين لا ينتمون إلى العائلات السياسية، كتلة برلمانية وازنة حرة واضحة غير ممسوكة. تحمل رؤى مستقبلية وعزم لبدء المواجهات من داخل البرلمان، لكبح الانهيار وحماية الحقوق، وفتح باب المحاسبة ومنع بيع مقدرات الدولة، والحفاظ على الهوية، وكسر ارتهان البلد. تستند إلى شارع استعاد المناخ التشريني، وبقدر ما تُقدم أداءً شفافاً سيشتد دعم الشارع ليتحول إلى الكتلة التاريخية المطلوبة لقلب كل المشهد. ما حدث فتح الباب نحو أفقٍ آخر، فلبنان من بين أكثر البلدان التي لا تحدث فيها الأمور مرة واحدة وبشكلٍ حاسم، رغم أن القديم يُحتضر فإن دفنه سيتأخر حتى استكمال بلورة البديل، مع التنبه إلى أن قوى المحاصصة الطائفية واللا دولة تمتلك الكثير من مفاتيح القوة.
هنا يثور السؤال طارحاً نفسه: كيف يُحمى الانتصار؟ وكيف يُستكمل قرار اللبنانيين بإنجاز التغيير؟
من أول الطريق، بدأ استهداف النواب التشرينيين؛ حملات افتراء وتجنٍّ وتشكيك بدأت ومستمرة ضد النائب إبراهيم منيمنة، الحائز أعلى نسبة تصويت بين النواب السنة، ولم تنتهِ بالنائب إلياس جرادة، الذي أسقط فوزه أسعد حردان أبرز وجوه مرحلة الاحتلال السوري وأعتى «حلفاء» الدويلة. كل ذلك يحتم تقديم الخيارات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية لحماية المتبقي من الثروة، والتمسك بالدستور ورفض حكم البلد بالبدع، إلى المزاوجة بين رفض الثلاثية الخشبية والسلاح خارج الشرعية، ومن الجهة الأخرى طرح عناوين تلبّي الحقوق الأولية: العمل والاستشفاء والكهرباء والتعليم... وتحرير القضاء وضمان استقلاليته، لإطلاق معركة مكافحة الفساد ومحاسبة المرتكبين، أياً كانت المواجهات مع التحالف المافياوي!
بهذا الإطار يبدو الأمر الأكثر إلحاحاً هو العمل لاستنباط تكتل سياسي - شعبي يمكن أن يكون الأقرب إلى مفهوم «الكتلة التاريخية» التي اقترحها غرامشي للحفاظ على وحدة الأمة الإيطالية والقيام بنهضة شاملة. مثل هذه الكتلة ضرورة في مواجهة التحديات ومخاطر التعطيل، تجمع إلى نواب التغيير القوى التشرينية التي بلورت وتبلور آليات تنظيمية وحيثيات مدينية ومناطقية، لا يُستثنى منها بصورة مسبقة أي طرفٍ أو جهة. والأكيد أن الأرضية المتجانسة لمثل هذه الكتلة متوفرة في جموع اللبنانيين، الذين خرجوا دونما أي دعوة في «17 تشرين»، وتمكنوا من تعرية الطبقة السياسية وإن لم ينجحوا في إسقاطها، لكنّ خروجهم ثانيةً في الانتخابات أحدث المفاجأة عندما فتحوا الباب أمام إمكانية قلب المشهد.
بوضوح أكبر، ليست «الكتلة التاريخية»، لقاء أحزاب أو جبهة مؤدلجة، بل المطلوب في قيامها أن تعكس النسيج الذي صنع «17 تشرين» بتعدده وتنوعه من اليسار إلى اليمين والوسط، ليكون متاحاً بلورة بديل سياسي يفرض إعادة تكوين السلطة فيستكمل التغيير، بإسقاط نظام المحاصصة الناهب الذي ارتهن البلد، وإبعاد ومحاسبة الرموز الذين ما تحكموا بالرقاب لولا التبعية للدويلة و«قانون العفو عن جرائم الحرب»!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان كيف يُحمى ويُستكمل قرار الناس بالتغيير لبنان كيف يُحمى ويُستكمل قرار الناس بالتغيير



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 20:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي
  مصر اليوم - دراسة حديثة ترصد نشاطاً خفياً قرب اللب الأرضي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:36 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

أخطاؤك واضحة جدًا وقد تلفت أنظار المسؤولين

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 09:25 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

نصائح لتحويل مكتبك المنزلي إلى بيئة صحية ومنتجة

GMT 09:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الدلو الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 18:56 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

مدفيديف يحرز لقب كأس الدرعية على حساب فونيني

GMT 11:30 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

أخطاء شائعة تجنبيها عند شراء المجوهرات

GMT 21:53 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الشواطئ والمناظره الطبيعية لقضاء شهر عسل في قبرص

GMT 05:57 2020 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

طريقة إعداد وتحضير الدجاج بحليب جوز الهند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt