توقيت القاهرة المحلي 02:21:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقتل الديموغرافيا

  مصر اليوم -

مقتل الديموغرافيا

بقلم:سوسن الأبطح

كادت دولُ العالمِ الثالث تعقّم نساءَها، بعد أن ربطَ الاقتصاديون بين كثرةِ الإنجاب وتفشّي الفقر. وبينما لا تزال حبوبُ منعِ الحمل إحدى أهم أدوات هيئات الأمم المتحدة الاجتماعية لمكافحة التَّخلف في الدول المسكينة، يعاني الغربُ من كارثة انخفاض النسل بشكل درامي سيؤثر على كلّ مناحي الحياة.

وبعد أن وجدت أوروبا وأميركا ضالتَهما، لحل أزمتِهما الديموغرافية بفتح الأبواب للمهاجرين، ها هما تكتشفان أنَّ العرقَ الأبيض بات مهدداً في عقر داره، وعليهما إعادة غلق الأبواب بسرعة.

واحدةٌ من بنود ترمب في استراتيجيته للأمن القومي الأميركي التي نشرها مؤخراً، هي الحد من الهجرة إلى أوروبا؛ لأنَّها تتعرَّض لمخاطرَ حضارية، وبعد عشرين عاماً سيصبح لها وجهٌ آخرُ لا نعرفه. وهذا صحيح.

لكنَّ الأمرَ ليس بالسهولة التي يطرحها الرئيس ترمب، وهو يتمنَّى أن يأتيه نمساويون ونرويجيون بدل الصوماليين؛ لأنَّ النمسا والنرويج من أكثر الدول معاناة من نقص الولادات، فمن أين نأتيه بالشقر والشقراوات؟ ففي أكثر الدراسات تفاؤلاً، لم يعودوا يشكّلون أكثر من ستين في المائة من الأميركيين، حتى إنه بات يريد استعادةَ من صدّرهم إلى جنوب أفريقيا ذات يوم.

مليون ونصف المليون مهاجر غادروا أميركا هذا العام. والاستمرار في هذه السياسة سيقضي على 15 مليون وظيفة بحلول عام 2035، بحسب الأميركيين أنفسِهم، فيما المهاجرون غير الشرعيين الذين يراد التَّخلصُ منهم، وصلَ عددُهم إلى 14 مليوناً.

يفترض أن ينجبَ الوالدان طفلين على الأقل للحفاظ على استقرار عدد سكان أوروبا، لكن معدلاتِ المواليد الحالية بالكاد تتجاوز طفلاً واحداً. فهل سيتمكَّن جيلُ الآباء الجدد في ظل الأزمة الاقتصادية من قلب الموازين؟

العام المنصرم شهدَ أدنى معدلات ولادات مسجلة في أوروبا على الإطلاق، في ظاهرة لم تحدث منذ نهاية الحرب العالمية الأولى. حتى فرنسا السخية في مواليدها، تراجعت أرقامها بشدة.

وما يثير القلق أنَّ التدهور الحالي يأتي في ظلّ تشريع أبواب الهجرة، وقبل الاستنفار ضد الوافدين؛ أي أنَّ عدد الذين تم استقبالهم، رغم أن التذمر منهم لم يكن كافياً، وبالأرقام، يتوجب استقدام المزيد. أما ما يطلبه الرئيس ترمب، والذي يتم العمل عليه، فهو فرملة تامة، وتشجيع وصول الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى السلطة التي ستنتهج أسلوبه الانغلاقي، وهذا عواقبه وخيمة.

والحالة هذه، يجد الغرب نفسَه أمام خيارين، بحسب ما يقوله اقتصاديون: إمَّا القبول بتغيير وجه الثقافة لإنعاش الحيوية الاجتماعية، ودفع عجلة الإنتاج، وإما قفل الأبواب والخضوع لشيخوخة تدريجية حتى الذبول.

اليدُ العاملة تنخفض سنوياً بمقدار مليون شخص في أوروبا، وخلال ربع قرن سيفقد الاتحاد 25 مليون عامل. بحسب تقرير «بروجيل» الذي صدر في مارس (آذار) 2025، بعنوان «الفجوة الديموغرافية»، فإنَّ مقابل تناقص عدد السكان في سن العمل في 22 دولة من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي، ستتضاعف نسبة من تبلغ أعمارهم 85 عاماً، مما سيضرب في مقتل أنظمة الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، ويطيح بالقدرة على الدفاع العسكري؛ إذ من الآن لا تتوافر الأعداد للتجنيد في الجيوش، رغم رغبة أوروبا في القتال. وتبعاً لدراسة لمؤسسة «غالوب»، فإن 32 في المائة فقط من الشباب الأوروبي على استعداد للانخراط في أي عمل عسكري قد يطرأ.

في المهن المدنية الأمر ليس أفضل حالاً، تحدثت المفوضية الأوروبية عن نقص في المهارات يطال 42 مهنة، بينها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والرعاية الصحية، والبناء، والنقل. وأكثر من نصف الشركات، لا يعثر على الكفاءات المطلوبة لتسيير أعمالها، ومن بينها شركات الصناعات العسكرية.

أوروبا تعاني من وجود ما يقارب 4 ملايين وظيفة شاغرة لا تجد من يشغلها. ففي ألمانيا مثلاً، رغم استقبال العدد الهائل من السوريين، لا يزال أكثر من مليون وظيفة تنتظر، ونصف هذا العدد في فرنسا.

الكلام على كارثة استقبال المهاجرين في الغرب يحجب مأساة ديموغرافية عدم حلّها هو انتحار جدّي، وليس كلاماً مجازياً. ومع ذلك فإنَّ طرح موضوع شديد الحساسية كهذا، لا يزال خجولاً، وثمة من يريد تغطية الشمس بغربال.

أحد أكثر المتنبّهين للفخ الديموغرافي هو المفكر الفرنسي إيمانويل تود، الذي، مع شهرة مؤلفاته وترجمتها إلى مختلف اللغات، واستقباله على كبريات المنابر العالمية، يفضّل كتم صوته في بلاده؛ لأنَّ كلامه حول خطر انهيار القيم العائلية والدينية، والأزمة الاقتصادية التي أدَّت جميعها إلى كبح الإنجاب وذبول المجتمعات الغربية، وإفقادها وزنها الصناعي والجيوسياسي، هو مما يوجع ويزعج.

لكن من ظريف ما يقوله تود، أنَّه في كتابه الأخير الشهير جداً «انهيار الغرب» درس روسيا وأميركا وأوروبا، ولم يدرسِ الصينَ؛ لسبب بسيط هو أنَّه لم يتوقَّع صعودها المفاجئ بهذه السرعة، بسبب ضعف الولادات، وتراجع الديموغرافيا.

والسؤال الكبير الذي بات يؤرق الباحثين: هل يمكن أن يكون تشغيل المصانع بالروبوتات على الطريقة الصينية، وبالاستغناء عن البشر، هو المخرج الوحيد من هذه المأساة الغربية الطاحنة؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقتل الديموغرافيا مقتل الديموغرافيا



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt