توقيت القاهرة المحلي 11:06:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تراجيديا ما بعد غزة

  مصر اليوم -

تراجيديا ما بعد غزة

بقلم:سوسن الأبطح

لا عاقل يصدّق أن ما يحدث في غزة من أهوال يمكن أن يُطوى ويمضي بمجرد أن يصمت صوت الرصاص. هذا نوع من الأحداث العظام، التي امتدت في الزمن وحفرت في الوجدان، حتى بات طيّها مستحيلاً.

الخشية لم تعد على غزة فقط، بل من تعميم النموذج في الحروب المنتظرة، التي تتحضّر لها الدول الكبرى قبل الصغرى. مليونا مدني محاصرون، يقتلون على الهواء مباشرة، وسط صمت ولا مبالاة مذهلين. قطع كهرباء، قصف مستشفيات، تدمير مدارس على رؤوس الأطفال، حرق نازحين في خيامهم، اغتيال مرضى في أسرتهم، تجويع مدنيين ثم اصطيادهم برغيف خبز، لقتلهم. شتى أنواع الجرائم الفظيعة ارتكبت، والعالم ومعه الهيئات الدولية في تنديد واستنكار أشبه بتواطؤ، حيث يُستعاض عن الإجراءات الحقيقية بالتهديد اللفظي لرفع العتب.

مؤرخ الحروب الفرنسي جان بيار فيليو، الذي تمكن من زيارة غزة، ورؤية ما لم تره عينه لا في أفغانستان ولا العراق ولا صربيا ولا حتى الصومال، يحذر بقوة بعد صدور كتابه «مؤرخ في غزة» من أن «على البشرية جمعاء أن تشعر بالخوف، لأن ما يحدث ليس مجرد حرب شرق - أوسطية جديدة محدودة في المكان، بل نحن أمام مختبر، يرينا ما سيكون عليه العالم في السنوات القليلة المقبلة». أي «مكان بلا قوانين، تسوده شريعة الغاب، يأكل فيه القوي الضعيف، تطهير عرقي، مساعدات إنسانية تتحكم بها شركات خاصة. عالم مرعب ذاك الذي رأيته في غزة، مرعب لنا جميعاً، لأنه يختبر إنسانيتنا، ويرسم معالم المستقبل».

شهادة خطرة، لكن فيليو ليس وحيداً في رأيه الذي يكتسب أهمية خاصة بسبب معاينته الميدانية. محللون نفسيون يحذرون من أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف على وسائل التواصل والشاشات، كما يحدث حالياً، يأتي بنتائج عكسية، ويضعف الاستجابة العاطفية للبشري، الذي يشعر بأن المشاهد التي يفترض أن يهتز لها كيانه، لم يعد يبالي بها وقد أصبحت جزءاً من روتينه اليومي. «تخدير نفسي» كما وصفه عالم النفس بول سلوفيك، أو بكلام آخر، كثرة الإجرام تجعل المخلوق يلجأ إلى اللامبالاة لحماية نفسه وبلغة مباشرة هو «موت الضمير».

ليس أبلغ مما سجلته حنة أرندت في كتابها الشهير «إيخمان في القدس» عن محاكمة أحد المتورطين في الجرائم النازية بعد اختطافه من الأرجنتين وجلبه إلى القدس، حيث رأت الفيلسوفة اليهودية أن إيخمان هذا لم يكن متوحشاً أو شيطاناً، كما كانت تعتقد، بل إنسان عادي منساق، ينفذ الأوامر كموظف يؤدي عمله الذي يُوكل إليه.

وهذا ما أسمته «الشر الاعتيادي» الذي لا يتأتى بالضرورة من حقد أو ثأر شخصي، بل من انغماس في سياق، أو انخراط في تيار، بشكل آلي، والسير فيه، وهذا ما يهدد إنسانيتنا جميعاً ونحن نفقد بوصلتنا.

فيليو يقول إنه لم يزر أي إسرائيلي غزة منذ عام 2007. الجنود يدخلونها وهم مدججون ومختبئون في آلياتهم، والمعركة تدار من خلف الشاشات، وداخل الدبابات، كل شيء يرصد ويخطط له عن بعد، التصوير من المسيرات أو الأقمار الاصطناعية، بالتالي فحالة إيخمان باتت شائعة وتهدد بالتنامي حتى خارج إسرائيل.

«الشر الاعتيادي» أو «الشر التافه» لم يدفن مع النازية، لا بل إن ما يحدث في غزة يكاد يحدث بتواطؤ كوني، تشارك فيه وسائل إعلام، ودول كبرى، ومنظمات وجمعيات، وشركات عابرة للقارات. الإنسانية فقدت صوابها، وانخرطت في «الانفصال الأخلاقي» الكامل، الذي تحدث عنه ألبرت باندورا، حيث يلجأ الناس إلى استخدام تسميات ملطفة ومعقمة للتعبير عن المجازر والمذابح، وينفضون عنهم المسؤولية بالتجاهل.

حنة أرندت لم تتهم إيخمان وحده بالجرائم، بل المجتمع الذي سمح له، الإعلام الذي سكت، القضاة الذين خضعوا، والمواطنون الذين تجاهلوا. بالنسبة لها «الشر لا يحتاج إلى مجرمين فقط، بل إلى صمت وتبرير واعتياد وانقياد». بالتالي إن لم تتم المحاسبة على جرائم غزة، سيُصبح القتل روتيناً جديداً، والتجويع سلاحاً مشاعاً، والشر شيئاً مقبولاً.

لا أحد يعبأ بقتل النازحين، أو نزع الأكسجين عن الخدّج، أو قتل امرأة وطفلها وهما يبحثان عما يسد رمقهما. يوزع شريط قصف الجوعى، ويتداول ويصبح «فايرل» وتنهال عليه الليكات والشيرات، ثم يعود كل إلى انشغالاته اليومية، وتطل عليك بريجيت باردو من منزلها الريفي الأنيق الذي تعتكف فيه، وتقول غاضبة إن كل ما تريده من حياتها اليوم، وما تطلبه من الناس المتوحشين، أن يكفوا عن قتل الثعالب، ذاك الحيوان الذي تعشقه، ولا تتصور أن تمتد إليه يد الأذى. هذه هي أمنيتها الأخيرة، وخلاصة حكمة السنين. رجاء لنصغِ إلى بريجيت باردو.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تراجيديا ما بعد غزة تراجيديا ما بعد غزة



GMT 11:06 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

مزيج السحر والمتعة فى كرة القدم

GMT 11:05 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الفرق بين وزير ووزير

GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt