توقيت القاهرة المحلي 10:07:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأقدام السود

  مصر اليوم -

الأقدام السود

بقلم - سوسن الأبطح

قادت صحيفة «ليبراسيون» حملة شعواء في وجه المشككين والعنصريين والمصطادين في الماء العكر بعد الفوز الكاسح للمنتخب الفرنسي، الملون بالأبيض والأسود، في نهائيات كأس العالم، منتزعاً اللقب بجدارة. كتب مدير التحرير لوران جوفران افتتاحية مدوية، قال فيها: «ليكن أصفر أو أسود أو أزرق، مسلماً أو كاثوليكياً أو بوذياً، فإن ذاك الذي يسجل أهدافاً في الشباك هو رجلنا، سواء كان غريزمان أو مبابي أو بوغبا»، علماً بأن الثاني من أصول جزائرية، والثالث غينية، وبين اللاعبين من يتحدر من الكاميرون والسنغال ومالي والمغرب وغيرها.

تحمّل المدير الفني الشجاع للمنتخب ديديه ديشامب ما لا يطاق من النقد على اختياره للاعبين غالبيتهم الساحقة من السود، ومضى بأبطاله إلى روسيا، غير آبه بالضجيج المثار حوله. وكادت تكون كل مباراة يربحها «الديوك» بمثابة خطوة إضافية له ليسجل انتصاراً لبلاده في الملعب، وآخر لكل أولئك الذين يؤمنون مثله بأن التعددية قوة، والاختلاف قد يصنع المعجزة.

سأل جوفران متهكماً إن كان يفترض به أن يدعم الفريق الفرنسي «الأفريقي» في المباراة النهائية أو الكرواتيين، فقط لأنهم من الكاثوليك والسلاف ذوي البشرة البيضاء والجذور المسيحية؟ سؤال محرج من هذا النوع ليس موجهاً للفرنسيين طالبي الصفاء العرقي وحدهم، بل إلى كل من قذف المنتخب الفرنسي بتهم تخدش وطنيته. ومن المستغرب أن رجلاً مثل باراك أوباما، وهو على رأس الولايات المتحدة، كان قد رأى هو الآخر أن في المنتخب الفرنسي من السود أكثر مما يجب. واللاعب الكرواتي السابق لكرة القدم اعتبر أن بلاده في النهائيات لا تواجه فرنسا وحدها، وإنما معها القارة الأفريقية مجتمعة.

استعاد الفرنسيون، بمناسبة هذه المنافسة العالمية، النقاش حول تاريخ منتخبهم الوطني الذي لم يكن يوماً نقي العرق، وغالباً ما كانت القارة الأفريقية لاعبة فاعلة ومشرفة. إنما الملاحظ أن عدد البيض تناقص بشدة بمرور السنوات لصالح المهاجرين، حتى وصل الحال إلى 6 لاعبين فقط، من أصل 23 في كأس العالم الأخير.

أمر حاول تداركه، قبل سنوات، القيمون على كرة القدم، باتفاق ضمني سري في ما بينهم، يقضي باعتماد كوتا سرية، بحيث لا يتعدى عدد اللاعبين العرب والأفارقة الثلث، بحجة المحافظة على الولاء الخالص، الذي قد لا يتمتع به أصحاب الجنسيات المزدوجة، لكنه أمر كشف وانتهى إلى فضيحة ومحاسبة واستقالات.

الملاعب العالمية صارت واجهات تعرض فيها الدول بضاعتها الوطنية، وقدراتها الفنية، وطاقاتها الإبداعية، عبر أقدام لاعبيها ومهاراتهم الجسدية، كما لياقتهم الذهنية. والحوار حاد وعفي حول هوية المنتخب الفرنسي الأكثر تنوعاً بين كل المنتخبات المشاركة في مونديال عام 2018. وكان الحال مشابهاً قبل 20 سنة، يوم كان النجم الأول الجزائري الغضوب زين الدين زيدان. وإذا كان ثمة من يستشيط لأنه أبيض، ومن يمثله داكن البشرة، ويحتجّ لأن الأفارقة في المنتخب ليسوا بنسبة توازي وجودهم في التشكيلة السكانية، وبالتالي فالمنتحب ليس صورة أمينة عن فرنسا، فهناك من يعكس السؤال. منير محجوب، سكرتير الدولة للشؤون الرقمية، يشرح أن المشكلة ليست في تنوع لاعبي كرة القدم، وإنما في تغييب المهاجرين عن كل المجالات الأخرى، بما فيها التمثيل السياسي الصحيح الذي يتناسب ووجودهم الاجتماعي والديمغرافي. وهو ليس وحيداً في طرحه، ولا في تذكيره الآخرين بأن عدداً من المهاجرين في الرياضة لا يعني أنهم أنصفوا، أو يستحق الخشية من أنهم طغوا وسحقوا.

جرح اللاعبون الأفارقة - الفرنسيون كثيراً في هذا المونديال. مؤثر كل هذا الإصرار في تصريحاتهم على أنهم يحبون فرنسا، ويعشقون قيمها التي احتضنتهم، ودال ذاك التذكير المستمر من قبلهم بأصولهم وجذورهم، كما المغربي عادل رامي الذي خاطب الجمهور العنصري طالباً منه الكف عن الأذية: «توقفوا عن تفاهاتكم، وعن انتقادنا. نحن نحب فرنسا مثلكم، نحن اليوم أبطال العالم، وأنتم أيضاً أيها البشعون».

كان سهلاً رؤية الأعلام الجزائرية والمغربية تخفق إلى جانب الأعلام الفرنسية في الشانزليزيه. واضح أن الاحتفالات في الساحات والطرقات، التي لم تخل منها مدينة أو قرية، جمعت كل الفرنسيين تحت عنوان واحد، هو «النصر». ليست مصادفة أن يطلق مسجد باريس بياناً، يلفت فيه إلى فوز الوحدة رغم التنوع، والعيش المشترك رغم الصعوبات. ولا من المستغرب أن يتناقل آلاف المغردين ما كتبه البروفسور خالد بيضون، من أميركا، مباركاً للفرنسيين، ومذكراً إياهم أن 80 في المائة من المنتخب الفرنسي أفريقي «لذا، أوقفوا العنصرية وكراهية الأجانب، و50 في المائة من فريقكم هم من المسلمين، لذا أوقفوا التخويف من الإسلام؛ لقد أهداكم الأفارقة والمسلمون كأس العالم الثاني، وعليكم أن تهدوهم العدالة». جانب د. بيضون الصواب، فالكأس ليست نصراً إسلامياً ولا أفريقياً، بدليل أن المسلمين العرب كانوا أول الخارجين، والدول الأفريقية أبعد ما تكون عن التفوق في المونديال. إنما السر هو في الخلطة تلك التي تريد فرنسا أن تباهي بها العالم، وها هي تنتصر لقيمها للمرة الثانية في غضون سنوات قليلة: مرة عندما صوتت لصالح إيمانويل ماكرون، حاجبة الإليزيه عن المتطرفة مارين لوبان، فيما كان الكثيرون يعتقدون أنها واصلة لا محالة، وفرنسا ترزح تحت وطأة العمليات الإرهابية، ودول أوروبية مجاورة تلجأ إلى اليمين. وها هي بلاد حقوق الإنسان تنتصر مرة أخرى، بفوز المنادين بـ«التعدد الثقافي» وارتفاع صرخاتهم، مدعمّين بكأس العالم وفريق من كل الألوان، آت من بين فقراء الضواحي ومحروميها الأكثر بؤساً. تحية إلى فرنسا التي لا تزال تقاوم البشاعة، رغم أن المهمة تزداد صعوبة أمام ثالوثها الأجمل: «حرية، مساواة، إخاء».

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأقدام السود الأقدام السود



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt