توقيت القاهرة المحلي 00:38:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بلدان تحلو فيها تمضية العمر

  مصر اليوم -

بلدان تحلو فيها تمضية العمر

بقلم:د. آمال موسى

إن البلدان التي تعنينا في المقام الأول هي بلداننا العربية والإسلامية، وهي التي أصبح لا خيار أمامها إلا أن تكون أوطاناً يحلو فيها العيش والحلم والإنجاز وقضاء العمر. ونحن هنا لا نتحدث عن ترف أو نعبر عن أمنية، بل إن نقاطاً عدّة تفرض على دولنا أن تتحول إلى بلدان يحلو فيها العيش، ويثمر فيها الحلم إذا كنا فعلاً نرغب في الاستمرار والوجود كمجتمعات.

في العقود الماضية كان الشباب وغيرهم من الفئات العمرية عندما يجدون أمامهم الآفاق غير رحبة، وتصادفهم العقبات ذات الصلة بالعالم الثالث، والفساد والتخلُّف، فإنهم كانوا يهاجرون وينحتون لأنفسهم مستقبلاً مختلفاً في بلدان موصوفة بسعة الأفق والفرص والتقدم، وكما نعلم فإن كفاءات كثيرة هاجرت وأعطت خير عقولها وعبقريتها لأوروبا والغرب عموماً، وقد حرم ذلك بلداننا من الاستفادة من هذه العقول في تحقيق التنمية وتأمين مسار التحديث والابتكار.

هذه المسألة هي ما اصطلح على تسميتها وتوصيفها بهجرة الأدمغة. وتوازياً مع هجرة الأدمغة من المهم التذكير أيضاً بأن أوروبا عوّلت إلى حد كبير على سواعد رجالنا العرب؛ حيث كانوا يمثلون اليد العاملة التي تكفلت ببناء البنية التحتيّة لوسائل النقل في مدن أوروبا، وأمّنت من ثم اقتصاد النقل ومجال التجارة وغير ذلك من المجالات الحيوية.

اليوم تغيّر حال الغرب، لم يعد بحاجة إلى سواعدنا؛ لذلك أقفلت الأبواب أمام شبابنا، باستثناء بعض الدول التي تعاني من تهرم سكاني، وهي بحاجة إلى اختصاصات دقيقة. في مقابل ذلك، فالملاحظ من خلال الأرقام والإحصاءات أن الغرب بات معنيّاً فقط بتوريد كفاءاتنا من المهندسين والأطباء بشكل أساسي، مع تقديم أجور زهيدة وصيغ عمل بعقود محدودة الزمن. وكمثال على ذلك، نشير إلى أن تونس في كل عام يغادرها مهندسون وأطباء، وهذا في الحقيقة أمر مقلق ومؤسف؛ لأن هذه الظاهرة مزعجة بشكل مضاعف: أولاً، لأن شباباً في عمر العطاء يُغادر ليفيد مجتمعاً آخر مقابل توفير بعض الامتيازات، وثانياً، لأن المجموعة الوطنية تنفق على تعليم هذه الكفاءات الشابة، وعندما يحين وقت الاستفادة منها تأخذ الحقيبة وتُحلّق في سماوات أوروبا والغرب.

المشكل اليوم، وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية في كل العالم، وتفشي ظواهر البطالة في دول مثل فرنسا، فإن خيار الهجرة لم يعد يُمثل ذلك الملاذ المربح، كما كانت الحال مع الأجيال السابقة، وباستثناء الكفاءات العباقرة فإن التحصيل المالي يظل أقل من كفاءات أوروبا.

كل عام في هذه الفترة يُسافر الآلاف من شبابنا الحائر شهادة البكالوريا (تُسمى في بعض بلداننا الثانوية العامة) نحو الغرب للدراسة الجامعية، مع حلم الاستقرار المهني هناك، ونرى العائلات في مجتمعاتنا تستثمر في هذه الفرضية الكثير من المال، وتتلقّى الخيبات في أحايين كثيرة. ذلك أن صعود اليمين المتطرف في أوروبا زاد من صعوبة التعايش بسبب ما يلاقيه شبابنا من تمييز عنصري، إضافة إلى تكبد مشقة الغربة وتحدياتها.

ولا يخفى أن الغرض الأساسي من الهجرة تحت عنوان الدراسة الجامعيّة ليس الدراسة فقط، لأن أغلبية بلداننا فيها جامعات عمومية وخاصة وأجنبية، بل إن هاجس تأمين العمل وتأسيس مستقبل خارج الوطن الأصلي هما الهدف الأكبر.

إن فرار الشباب إلى الخارج للدراسة والبحث عن عمل، رغم كل صعوبات الحصول على تأشيرة دخول إلى الفضاء الأوروبي والغربي، يُمثل ظاهرة خطيرة جداً بكل المعاني، وأولى دلالات هذه الخطورة هو الحلم خارج الوطن وانتشار عدوى الهجرة، وكأن أوطاننا لا تحيا فيها الكفاءة.

ماذا يعني ألا يظل من الشباب غير المضطر للبقاء؟ هل يمكن بالبقاء الاضطراري بناء تنمية وتحقيق تقدم؟ وأيّ بناء يمكن أن يُشيد وأفضل الكفاءات تُسافر لتعزز تقدم بلدان أخرى؟

هناك مشكل كبير يجتاح شبابنا من خريجي الجامعات، الذين يمثلون الثروة الحقيقية لأي مجتمع، بما يعنيه من كفاءة وذكاء وأفكار نحن في أمسّ الحاجة إليها. لذلك فإن الحل ليس في فرض شروط تُجبرهم على البقاء، والعمل لسنوات من أجل تسديد دين المجموعة الوطنية التي أنفقت على تعليمهم، وإنما الحل بكل بساطة هو أن تتحول بلداننا إجبارياً، ومن منطلق الضرورة القصوى، إلى بلدان تترعرع فيها الكفاءة، وتجد مناخاً متكاملاً يساعدها على الحلم والتقدم والعمل وحسن التقدير المالي والمعنوي لها.

فما يضرنا لو أصبحنا مجتمعات يحلو فيها العيش والحلم والعمل والإنجاز؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بلدان تحلو فيها تمضية العمر بلدان تحلو فيها تمضية العمر



GMT 03:23 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

اقتراح

GMT 03:21 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

هل سينتهي العالم هذه السنة؟!

GMT 03:18 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

... عن القانون الدولي والنموذج

GMT 03:16 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

سياسة «إذا لم نأخذها نحن... فسيأخذها غيرنا!»

GMT 03:12 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

فنزويلا... كلُّ الطرق تُؤدي إلى واشنطن

GMT 03:10 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

«مؤتمر الرياض» بين حق الجنوب و«الشرعية»

GMT 03:08 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ستارمر... طريق الهروب يضيق

GMT 03:07 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

4 أيام من دون أمِّي

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 18:29 2026 الأحد ,11 كانون الثاني / يناير

ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة
  مصر اليوم - ساناي تاكايتشي تدرس الدعوة إلى انتخابات مبكرة

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt