توقيت القاهرة المحلي 09:44:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من التصفية إلى التهجير!

  مصر اليوم -

من التصفية إلى التهجير

بقلم:د. آمال موسى

منذ سنوات وخبراء السياسة والدراسات الاستراتيجية يتحدثون عن مؤشرات بداية تبلور نظام عالمي جديد، واطلعنا على سيناريوهات جمّة، كانت جميعها منطقيةً ومدّعمةً بالحجج والأرقام. ولكن كل تلك الدّراسات لم يخطر على أصحابها أن هناك ساسةً خطابهم وخططهم أقوى من سيناريوهاتهم وحتى أقوى من الخيال.

طبعاً نقصد ما جاد به خيال رئيس الولايات المتحدة الأميركية دونالد ترمب في الأيام الأخيرة، من قرارات وتصريحات وخطط أثارت حفيظة أطراف عدة، وشملت تقريباً دولاً كثيرة؛ حيث إن ترمب بدا مولعاً بتعديل الجغرافيا والخريطة الدولية بطريقة لا تعترف لا بالمواثيق الدولية، ولا بسيادة الدول، ولا بحق الشعوب في تقرير مصيرها. ونعتقد أنه لم يسبق أن سمع المجتمع الدولي شيئاً يشبه نوايا ترمب التي عنّها بنبرة مهيمنة وفوقية واستعمارية أعادت العالم إلى نقطة الصفر في القانون والحقوق.

إذن، خيال الساسة فاق خيال المفكرين والفنانين والأدباء. وصدقاً لم يخطر على بال أي أحد أن ينطق رئيس دولة، بنبرة عالية وواثقة ومصرة، بتهجير الفلسطينيين جميعهم، وإرغام بلدَين بالاسم على استقبالهم. لم يحصل أن فكَّر شخص قبله بالسطو الكامل، في وضح النهار وعلى الملأ، على بلدان مثل قطاع غزة وكندا.

ورغم أن الشرق الأوسط في لحظة ارتباك قصوى، والعالم العربي بات يعاني من صداع مزمن... ناهيك عن الهزات الاقتصادية والمخاض في شتى المناطق وفي العالم وكأن التاريخ يطوي صفحة ليكتب غيرها... فإن ترمب تمكَّن من إحداث صدمات متتالية للعالم.

طبعاً تم توصيف ترمب بأوصاف عدة، وتم تلقي قراراته ونواياه وخططه بكثير من الصدمة والخوف والرفض. ويبدو لنا أن المشكلة ليست في الرئيس ترمب ولا في غيره والأمر أكبر من أشخاص لهم شطحات خاصة. فالواقع هو الذي ينتج خطط الساسة ويضبط سقف طموحاتهم. لذلك فإن السؤال هو: ما الذي جعل طموحات ترمب تناطح الخيال وترى في جغرافيا العالم مجرد رسم قابل للمحو، وتشكيله كما تحلو المصالح والحسابات؟.

قد لا نبالغ إذا قلنا إن خيال إسرائيل نفسه لم يبلغ ما بلغه ترمب، ولو أن خطته جد مواتية للحلم الإسرائيلي وتُمثِّل الحل الأمثل لشيء لطالما أرهق الإسرائيليين، وهو القضية الفلسطينية.

فيما يخص خطط ترمب تجاه أميركا اللاتينية وكندا نتركها جانباً، وقد سمعنا من المعنيين ما ينبئ بعسر الصراع، وأن سيناريوهات خسارة الولايات المتحدة من إشعال هذه الفتن قد تكون أقوى من الخيال الذي أنتج تلك الخطط ذاتها. أما فيما يعنينا نحن العالمَين العربي والإسلامي فإن خطة تهجير الفلسطينيين من غزة، والخطاب الفوقي والاستعلائي تجاه مصر والأردن، يتطلبان الاستفاقة من السبات العميق لأن الرجل فجَّر قنبلةً لا تخطر على البال ولا على الخاطر، وكأنه يتحدث عن قطعة أرض اضطرت دولة إلى إرغام مالكها على بيعها لها لأن فيها مصلحة عامة.

نعم، حديث ترمب عن غزة يشعر السامع العربي المقهور بأنه مالك غزة وله يعود التصرف فيها وفي مَن عليها.

هنا لا بد من أن نضع النقاط على الحروف، ويراجع العرب أنفسهم. نحن مَن نخلق مَن يهيمن علينا ويستخف بنا. قرارات ترمب وخططه تجاه الشرق الأوسط هي نتاج تفريط العرب في مكامن القوة في المواقف وفي موازين القوى، والقبول بالترويض من دون تفاوض وضمان الحد الأدنى.

من الجيد للخصم أن يخاف خصمه، وكل الأحداث على امتداد السنوات الأخيرة هي لتمشيط الخوف، والقضاء على روافد المقاومة، وسد المنابع؛ حتى يسهل الانقضاض على الغنيمة.

هكذا اتضحت الصورة جيداً. ووجدنا جواباً شافياً للسؤال المحير: ما السر وراء هذا الصمت تجاه آلاف الشهداء من الأطفال والنساء الذين قُتلوا من 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى تاريخ الإعلان عن إيقاف النار ليتم إشعال أخرى؟

إذن كنا في مرحلة تصفية أكثر ما يمكن من فلسطينيين، رضعاً وشباباً وكهولاً ونساء، وحانت الآن، وفق الجزء الثاني الذي أعلن عنه السيد ترمب من الخطة، مرحلةُ التهجير ومحاولات إرغام الأردن ومصر على أن يكونا دولتَي استقبال، مع نبرة تهديد بقطع المساعدات، أو القبول بمضاعفتها طبعاً، والتفاوض حول المقابل.

صورة الفلسطينيين وهم عائدون إلى شمال غزة التي أبهرت العالم، حباً في الأرض والأصل ورائحة الوطن، يُراد لها أن تُمزَّق وتعوضها صور التهجير نحو مصر والأردن.

كم أضعنا من فرص لمّ الشمل العربي وإدراك أننا واحد في كل شيء؟... لقد توهمنا الخير في التجزئة، وها هنا رجل أعمال انتخبه شعبه لم يرَ ما يمنع من أن يرمي بتضحيات عقود ودماء مئات آلاف الشهداء في العدم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من التصفية إلى التهجير من التصفية إلى التهجير



GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt