توقيت القاهرة المحلي 00:12:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المساعدات والهيمنة

  مصر اليوم -

المساعدات والهيمنة

بقلم:د. آمال موسى

ما يحدث بين الأشخاص ينسحب بشكل كبير على ما يحصل بين الدول أيضاً. فالشخص الواقع في محنة الدين يتميز بالضعف حتى لو حاول إخفاء ذلك أو نكرانه. فميزان القوى بين الدائن والمدين يعلو لصالح اليد العليا. وكما نعلم اليد العليا خير من اليد السفلى. والشيء ذاته في العلاقة بين من يقدم المساعدة ومن يحتاج إليها.

لا يعني هذا أن الحاجة تُضعف صاحبها آلياً، لكن بشكل عام خصوصاً إذا لم تتوافر في صاحب الحاجة كوامن نفسية وإرادوية تمكّنه من الخروج من نفق المحتاج (بغض النظر عن طبيعة الحاجة مادية أم معنوية)، فإن المحتاج هو ضعيف إلى أن يغادر ضعفه.

ومشكلة اليد السفلى أنها بذلك الموقع الذي اختارته أو وجدت نفسها فيه هي يد ليست حرة في قراراتها واختياراتها وحركتها محتشمة جداً. نبرة الشخص المحتاج الذي يمد يده طالباً المساعدة كثيراً ما تكون منخفضة.

هذا حال الشخص، فما بالنا بحال الدول والعلاقات الدولية التي تقوم على الهيمنة وميزان القوى والكلمة للأقوى. فالدول، سواء الفقيرة أو التي في طريق النمو تؤمّن مصاريفها في جزء ما من المساعدات الدولية، وهي دول منخفضة النبرة في ساعات الجد والاختيار الصعب. لذلك؛ يمكن القول من دون مبالغة إن المساعدات الدولية التي تلتزم بها الدول الكبرى تجاه الدول المحتاجة هي شكل من أشكال الهيمنة المقنعة والمخفية. ولا يخفى أن الهيمنة هي المرادف الحديث لمعنى الاستعمار ومظاهره وأسبابه.

طبعاً، من المفروض أن المساعدات هي آلية دعم ومحاولة لتحقيق السلم والأمن في العالم. بل إنه من مصلحة الدول الغنية والقوية تقديم المساعدات والأخذ بيد الدول المحتاجة من دعم ومساعدات؛ لأن ذلك يندرج ضمن أمنها القومي بكل بساطة. ولا يفوتنا أن من الأسباب القوية التي جعلت من الدول الغنية قوية أنها استثمرت في الأسلحة وفي النووي والكيميائي، وكل هذا دمر الطبيعة في كوكب الأرض وجعل الحياة صعبة بسبب تغيرات المناخ التي أثرت على الصحة والزراعة والغذاء؛ وهو ما يعني باختصار أن المساعدات هي في الحقيقة نوع من التعويض التافه والصغير جداً عمّا لحق بالدول غير المنخرطة في التسليح واستعمال المواد الكيميائية من خسارات وضرر مادي وصحي ولخبطة حقيقية سببها تغير المناخ واستحقاقاته الكبيرة جداً.

لكن مع الأسف، المساعدات الدولية بدلاً من أن تكون تعويضاً قابلاً للازدياد أصبحت أداة هيمنة وتوجيه للمواقف الدولية وآلية لبث الخوف في الدول وحرمانها من التعبير عن سيادتها من خلال قرار حر.

في هذا الإطار من فهم المساعدات نضع الأسئلة والمخاوف التي عبَّر عنها كثيرون عندما صرحت مصر برفضها المشاركة في ظلم الفلسطينيين من خلال الانخراط في تهجيرهم. فالأصوات تعالت متسائلة عن رد فعل الولايات المتحدة بعد التصريح بموقف مثل هذا رافض لدعوة الرئيس الأميركي ترمب.

في هذا السياق، من المهم التذكير بصراحة بأن القضية الفلسطينية هي أكبر خاسر من المساعدات الفتات، حيث اضطرت دول كثيرة إلى تقديم تنازلات عبر تاريخ القضية من أجل المحافظة على المساعدات التي كانت مشروطة سراً وجهراً. وباعتبار أن هذه المساعدات رغم هزالها أصبحت من العناصر الأساسية في ضبط الميزانيات وتعتمد في تقدير الحد الأدنى من المعاش الشعبي، فإن أصواتاً عدة كانت ترى فيها مصلحة وطنية لا يجب المساس بها.

ولو قمنا بجردة للمساعدات الدولية ولاحظنا متى تُمنح ومتى تتأخر، وما الدول التي ترتفع فيها المساعدات والأخرى التي تظل على حالها، سنجد بسهولة تامة الربط الصارخ بين هذه المساعدات والمواقف السياسية. والمشكلة أنها مساعدات فتات يطالبون في مقابلها بمواقف ثقيلة جداً.

لذلك؛ فهي ليست مساعدات بقدر ما هي عربون لضمان موقف على مقاس الدول المانحة. ونعتقد ورغم كل المشاكل الاقتصادية الراهنة، فإنه يمكن لكل دولة تتمتع بهذه المساعدات شطبها من التقديرات الخاصة وتعالج مشاكلها من دون احتسابها؛ لأن تكلفة المساعدات الفتات لا تقدر بثمن وغالية جداً بكل المعاني.

إنّ الحل في التكتلات الاقتصادية العربية والتعويل على الذات وإعلاء قيمة العمل وتقدير أي نقطة عرق عربية للإنسان العربي، بشكل ينمي المشاعر الوطنية والذود عن المصلحة الوطنية.

لا شك في أن هذا الخطاب ليس رفضاً للانفتاح الدولي، ولكن آن الأوان كي نسمي الأشياء كما هي: المساعدات التي تخنق وتمس الحد الأدنى من الشعور بالسيادة الوطنية إنما هي قيد يجب أن ينكسر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المساعدات والهيمنة المساعدات والهيمنة



GMT 11:33 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

هو هنا وهناك

GMT 11:30 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

حرب «الميمز» الإيرانية

GMT 11:27 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

المشكلة في تكوين النظام!

GMT 10:50 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

GMT 10:47 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

قنبلة الوقود تنفجر فى أماكن كثيرة

GMT 10:45 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

فى العدوان الصهيو ــ أمريكى ..من خسر السباق ؟!

GMT 10:45 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

إيران... هل تتجه صوب هدنة أخرى؟

GMT 10:25 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

(أوراقي 22)... حلمي رفلة (شيخ حارة) الفنانين!!

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

باريس - مصر اليوم

GMT 15:55 2026 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

حمادة هلال يقدم المداح 7 في رمضان 2028
  مصر اليوم - حمادة هلال يقدم المداح 7 في رمضان 2028

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 09:30 2026 السبت ,21 شباط / فبراير

ويليامز تقبل بطاقة دعوة لبطولة إنديان ويلز

GMT 13:21 2019 الأحد ,29 أيلول / سبتمبر

كيف ساعدت رباعية الاهلي في كانو رينيه فايلر ؟

GMT 21:01 2019 السبت ,13 تموز / يوليو

أبرز تصاميم الحزام العريض لموضة صيف 2019

GMT 12:49 2019 الجمعة ,26 إبريل / نيسان

مدافع دورتموند يحذر من جرح شالكه قبل الديربي
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt