توقيت القاهرة المحلي 09:22:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الطفولة والمستقبل... وجهان بالملامح نفسها

  مصر اليوم -

الطفولة والمستقبل وجهان بالملامح نفسها

بقلم:د. آمال موسى

من أكثر الأيام الدولية التي تضع العالم في حرج حقيقي، نذكر في المقام الأول ومن دون أدنى تفكير: اليوم العالمي للطفل الذي صادف يوم العشرين من الشهر الحالي.

فمن أين يأتي الحرج والحال أن للطفل مناسبة دوليّة يتم الاحتفال بها منذ سنة 1990 أي بعد وضع اتفاقية حقوق الطفل الدولية في سنة 1989؟

من النقاط اللافتة للانتباه أن الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل تعد من أكثر الاتفاقات تصديقاً من دول العالم، إذ إن نحو 196 دولة صادقت عليها مما يعد التزاماً دولياً صريحاً باحترامها والعمل وفق بنودها.

المشكلة التي تصادف الاحتفاء بمثل هذا اليوم تحديداً، تتمثل في الوضع المأساوي الذي يعيشه ملايين من أطفال العالم بشكل يطيح بشعار أن «الأطفال قضية دولية»، وهو الشعار الذي تم رفعه في أعقاب الحرب العالميّة الثانية بوصف الأطفال أكثر الضحايا في أوروبا آنذاك.

صحيح أن أطفال أوروبا هم اليوم أفضل حالاً مما كانوا عليه، ويتمتعون بثمار التقدم في بلدانهم سواء كانوا في شمال أوروبا أو في شرقها، حيث أصبح الطفل في بلدان عدة عملة نادرة للوالدين اللذين يقدمان على تجربة الإنجاب فينالان امتيازات وتحفيزات شتى. ولكن ليست هذه هي حال أطفال القارة الأفريقية ولا أطفال منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يعني أن الفجوة قائمة بشكل هائل بين أطفال العالم. ومثل هذا الاستنتاج في حدّ ذاته يعد ضربة موجعة للاتفاقية الدوليّة لحقوق الطفل التي تمنع التمييز بين الأطفال، بينما واقع الحال العالمي يشهد أنواع التمييز كافة.

إذن لا يوجد واقع واحد للطفولة في العالم بقدر ما هناك صور متعددة ومختلفة للواقع. كما أن المتأمل في الواقع العام العالمي للطفولة يلاحظ أن واقع الأطفال في أي مجتمع هو نتاج موقع الدولة في خريطة التقدم والتنمية وأسباب القوة. وكما تكون الدولة يكون أطفالها. طبعاً هذا بشكل عام ونظري جداً.

إن الطابع الغالب على مثل هذا اليوم الدولي هو الحرج، ووقوف العالم عند ظاهرة انفصامه وجرائمه أيضاً: ففي عالم يموت فيه الأطفال جوعاً وقصفاً، ويعرف فيه الملايين التشرد والضياع والتسول والاختطاف والاستغلال الجنسي لا يمكن أن يكون اليوم العالمي للطفل مدعاة للافتخار بالمكاسب وبمناصرة العالم للطفولة. وللعلم فإن المشكل ليس في الظواهر السلبية المذكورة فحسب، بل في العدد المفجع من الأطفال الذين يعانون من هذه الظواهر الخطيرة والمأساوية، الأمر الذي يُبطل أهمية أن تكون الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل من أكثر الاتفاقات مصادقة، إذ لا معنى للمصادقة في ظل واقع يُنكل فيه بالأطفال.

ونعتقد أن وعي العالم ما زال محدوداً في مقاربته لقضية الطفولة وليس مبدئياً، بدليل أن موقع الدولة في خريطة القوة بأبعادها كافة أو حتى البعض المهم منها، هو الذي يحمي الطفل وليست طفولته بوصفها قيمةً متفقًا على حمايتها دولياً.

في هذا السياق، الذي لا يمكن رؤيته إلا من منظور سلبي، نضع واقع الأطفال في غالبية دول منطقة الشرق الأوسط، حيث إن 50 ألف طفل قتلوا أو أصيبوا في قطاع غزة من دون أن نغفل عن معاناة أطفال السودان وتعرضهم للموت بسبب الجوع وسوء التغذية. ناهيك من أن تقرير اليونيسف الذي يقول إن 30 مليون طفل خارج المدرسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعانون من الحرمان من التعليم.

وبناء عليه، فإن واقع الأطفال بمثابة المرآة التي نتهجى من خلالها لا فقط الحاضر بل والمستقبل أيضاً. فأي مستقبل لعالم يعاني فيه الملايين من أطفاله من الجوع، والحرمان من التعليم والصحة؟!

لقد علمنا التاريخ أن التمييز والحرمان ينتجان مستقبل التوتر. فالمحرومون اليوم هم قنابل موقوتة غداً. وفي كل عصر يظهر من ينتدب المحرومين والبؤساء ليكشر عن أنياب أطروحاته المناهضة للاختلاف والحوار.

إن الفئات التي تلقى التهميش في ميزانيات دولنا والتي لا نتعاطى معها بوصفها أولوية هي التي ستفعل فعلها بشكل عكسي وكارثي في الغد. فنحن لا ننفق على الطفولة إلا قليلاً جداً، ولا نهتم ببناء الإنسان عقلاً وكياناً وصحة إلا بالقليل جداً أيضاً، في حين أن الإنسان هو جوهر كل شيء. فالمجتمعات التي تحترم الإنسان يتمظهر احترامها واهتمامها من مرحلة الطفولة، إضافة إلى التكلفة التي تضعها الدولة والمجتمع من أجل الإنفاق مادياً ورمزياً على الطفولة التي هي مستقبل الأسرة والمجتمع والدولة والعالم والحياة على كوكب الأرض.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطفولة والمستقبل وجهان بالملامح نفسها الطفولة والمستقبل وجهان بالملامح نفسها



GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt