توقيت القاهرة المحلي 09:44:17 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تونس: إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

  مصر اليوم -

تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل

بقلم:د. آمال موسى

أثار تصريحُ وزير الصحة التونسي السيّد مصطفى الفرجاني مؤخراً، حول حاجة تونس اليوم إلى وضع تصورٍ جديد للتشجيع على الولادات، اهتماماً واسعاً وتفاعلاتٍ مختلفة، واستأثر بمساحات واسعة من البرامج الحوارية في الإذاعات والقنوات، فضلاً عن الصحافة المكتوبة، والنقاش في الفضاء العمومي وفي الأماكن العامة، على أساس أنَّه من تاريخ الاستقلال إلى اليوم لأول مرة يسمع التونسيون خطاباً من مسؤول سياسي في الدولة يتحدث عن التشجيع على الإنجاب.

لكي نفهم أكثر هذه النقطة، من المهم العودة إلى تاريخ تونس الخاص بالفترة الأولى من مرحلة الاستقلال، وكيف أنّ من أول الإصلاحات التحديثية التي قامت بها الدولة آنذاك بزعامة الراحل الحبيب بورقيبة هو إرساء سياسة تحديد النسل، أي التشجيع على الحد والتقليص من عدد الولادات. لذلك فإنَّ الجديد هو أن الخطاب السياسي للدولة قد انقلب بالكامل في خصوص مقاربة مسألة الإنجاب. وهو تغير نوعي كبير تفسره بكل بساطة وموضوعية الأرقام: معدل الإنجاب في تونس سنة 1960 أكثر من 7 أطفال لكل امرأة، وحالياً في سنة 2025 انخفض المعدل ليصل إلى 1.7 طفل لكل امرأة أي أقل من طفلين. فالفارق كبير ويستدعي الانتباه وتغيير السياسات، خصوصاً أن تونس اليوم تحت المعدل العالمي لتجدد الأجيال، الذي يقدر بـ2.1 طفل لكل امرأة.

إذن الأرقام فعلت فعلها لإعلان الانقلاب الجذري على أهم بند قامت عليه الدولة التونسية الوطنية الحديثة، وهو الترشيد السكاني من خلال سياسة تحديد النسل التي تجندت لها كل مؤسسات الدولة آنذاك.

السؤال: لماذا أصبح يتراوح معدل إنجاب الأسرة التونسية النواة اليوم بين الطفل والطفلين في أقصى الحالات؟ وهل هذه الظاهرة التي بدأت في الحقيقة تظهر مؤشراتها من عشر سنين أو أكثر، هي فقط يمكن تفسيرها بأنها نتاج المسار التحديثي التونسي الذي جعل الأسرة التونسية أقرب ما تكون في سلوكها الإنجابي إلى المثال الأوروبي، أم أن الظاهرة مركبة وتعود إلى أسباب عدة؟

إن تحديد أسباب ظاهرة التراجع الكبير في عدد الولادات في تونس مهم من ناحية أنه سيُمكن تونس من وضع التصور الذي سيخدم المقاربة الجديدة للإنجاب. وفي هذا السياق لا يجب الارتكان في عملية التفسير هذه إلى العامل الثقافي، وتغير العقليات بفعل المسار التحديثي الخاص بتونس مقارنة بمجمل الدول العربية. فلا شك في أن تغير العقليات والميل إلى مثال الأسرة قليلة العدد من أجل جودة الحياة وتلبية مستلزمات التربية ذات الجودة في التعليم والترفيه، إنما يمثل عاملاً أسهم في إنتاج معدل إنجاب أقل من طفلين لكل امرأة... ولكنّ التمعن في مؤشرات أخرى ذات صبغة كميّة اقتصادية من شأنه أن يقدم لنا الإجابات الأكثر دقة.

من هذه المؤشرات الجديرة بالانتباه التراجع في عدد الزيجات بنسبة 20 في المائة، أي أن الإقبال على الزواج يعرف نوعاً من العزوف يستحق أيضاً حزمة من التشجيعات. كذلك يعود التراجع في عدد الولادات إلى ارتفاع سن الزواج، الشيء الذي قلَّص من زمنية الخصوبة، خصوصاً أن معدل سن زواج التونسيات اليوم هو 30 سنة والرجل 35 سنة.

إذن هناك عامل أساسي لا يمكن التقليل من أهميته، إذ يمثل حسب اعتقادنا السبب الرئيس وراء تراجع عدد الولادات: فالتونسي تجاوز مرحلة كثرة الإنجاب بالمعنى الثقافي للتجاوز، ولكن العامل الاقتصادي هو الذي حدد حجم التراجع بشكل بات يبعث على القلق، ولولا هذا العامل لكان المعدل لكل امرأة يتراوح بين الطفلين والثلاثة. ذلك أن ارتفاع معدل البطالة يمثل سبباً رئيساً في تراجع عدد عقود الزواج على أساس ما يتطلبه اليوم الزواج من مسؤولية مادية والتزامات زائدة. وإلى جانب ذلك نجد عامل ارتفاع الطلاق في تونس، وهو في الحقيقة خاصية باتت تنسحب على جميع الدول العربية. واللافت للانتباه أنَّ غالبية حالات الطلاق تحصل في السنة الأولى من الزواج، وهو ما يسهم بدوره في إضعاف معدل الإنجاب بشكل أو بآخر. كما لا ننسى أن السبب المهيمن على حالات الطلاق هو الخلافات والإكراهات المادية التي تقود إلى فشل الزواج، الذي هو فشل في تحمل الأعباء المالية، وإدارة مؤسسة الزواج في بُعدها الاقتصادي.

إنَّ ما قاله وزير الصحة التونسي من ضرورة وضع تصور يشجع على الإنجاب، هو موقف موضوعي، ويكشف عن وعي النخبة السياسية الحاكمة بهذه الظاهرة ذات الصلة بتجدد الأجيال في تونس. وشخصياً خلال الفترة التي تحملت فيها مسؤولية وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة، اشتغلت على قانون جديد لعطلة الأمومة والأبوة، فيه إضافة نوعية، أهمها إحداث عطلة ما قبل الولادة، والترفيع بشهر إضافي في عطلة الولادة، وامتيازات أخرى مهمة تندرج في إطار التشجيع على الولادات، ولقد صدر هذا القانون في 13 أغسطس (آب) 2024. وتحملت الدولة الأثر المالي لهذا القانون، وهو في الحقيقة يمكن عدّه بأنه أول مؤشر على بداية ظهور تصور جديد للدولة يقوم على مبدأ التشجيع على الولادات.

طبعاً هذا القانون مساهمة تشريعية نوعية مهمة ولكنها غير كافية؛ لذلك فإن الجزء الوافر من التصور من المهم أن يركز على إحداث طفرة اقتصادية، وتعزيز الاستثمار والنمو الاقتصادي من أجل التخفيض في نسبة البطالة، وتحسين المقدرة الشرائية، وحتى إطلاق قروض دون فائض للزواج، وغير ذلك من الإجراءات الجاذبة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل تونس إعادة النظر في سياسة تحديد النسل



GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

GMT 03:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

هل نمنع التصوير في بيت الفنانين؟!!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 08:19 2026 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

ترمب يفرض رسوماً جمركية على واردات كندية

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:01 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 22:00 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

وصفات طبيعية لتنظيف الأثاث المعدني

GMT 15:45 2025 الثلاثاء ,17 حزيران / يونيو

أهم صيحات الموضة الخاصة بفساتين السهرة

GMT 22:47 2024 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مجوهرات بتصاميم فريدة تجمع بين الجرأة والرقة

GMT 14:26 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج القوس الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 18:47 2021 الثلاثاء ,23 شباط / فبراير

عادات خاطئة تفعلها عند شرب الماء تؤدي إلى الموت

GMT 17:17 2019 الأحد ,22 كانون الأول / ديسمبر

حريق في مبنى الخارجية المصرية

GMT 01:20 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

الفنان تامر حسني يحتفل بـ أحمد عصام بهذه الطريقة

GMT 07:33 2024 الجمعة ,16 شباط / فبراير

مفاجأة بشأن الشرط الجزائي في عقد هالاند
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt