توقيت القاهرة المحلي 07:02:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما وراء الاحتجاجات في مدن بريطانيا

  مصر اليوم -

ما وراء الاحتجاجات في مدن بريطانيا

بقلم: عادل درويش

الاحتجاجات التي شهدتها مدن بريطانيا، واتخذ بعضها طابع العنف، دفعت رئيس الوزراء السير كير ستارمر لاستدعاء مراسلي الصحافة، مساء الخميس، أثناء العطلة السنوية البرلمانية، لمخاطبة الأمة والرأي العام في مؤتمر بُثَّ مباشرةً. ستارمر، وكان فرغ لتوه من اجتماعه برؤساء مفوضيات البوليس الذين استدعاهم من المقاطعات التي شهدت المظاهرات العنيفة، اتهم المحتجين بالانتماء لـ«اليمين المتطرف» (بلا تقديم تعريف محدد له)، ووعد باتخاذ إجراءات بوليسية الطابع، وأخرى مع شركات منصات التواصل الاجتماعي التي أدَّى تبادلُ منشورات غير دقيقة ومضللة عبرها إلى خلق جو أثار الاحتجاجات.

الحوار الدائر بيننا، سواء المغلق بعد المؤتمر الصحافي، أو العلني كصحافيين ومعلقين على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية، وفي البرامج الإذاعية والتلفزيونية، التي يشارك فيها المستمعون عبر وسائل الاتصال المختلفة، دفعني إلى التركيز على ملحوظات، تهم قراءنا؛ خصوصاً وأن بينهم من اختبر في بلاده النتائج المترتبة على إجراءات تشبه اقتراحات الزعيم البريطاني: الرقابة الانتقائية على منصات التواصل الاجتماعي، ومنح البوليس صلاحيات لتصوير المعروفين بميولهم اليمينية والعنصرية أو بترويج معلومات كاذبة أو قد تؤدي للعنف، لإدراجهم في سجلات لمنعهم من السفر والتنقل إلى مدن أخرى بغرض التظاهر كما حدث مع المشاغبين من مشجعي كرة القدم، إذ «كانت حكومة توني بلير الأولى بدأت في 2000 تطبيق قوانين مصادرة أوراق سفر المشاغبين ومنعهم من السفر لحضور مباريات عقب تصويرهم متلبسين بإثارة المتاعب». وأدت وقتها لاحتجاجات المنظمات الحقوقية واتحاد المحامين البريطانيين لانتهاكها ثوابت كـ«الماغنا كارتا» أقدم وثائق ضمان الديمقراطية التي تكفل حرية التنقل والتعبير.

أولى الملحوظات أن أهم أسباب انفلات الموقف كان تباطؤ المسؤولين في نشر التفاصيل الحقيقية لحادثة اعتداء مراهق في السابعة عشرة بسكين على فصل موسيقى للأطفال أدى إلى مصرع ثلاث بنات دون التاسعة من العمر وجرح عشرة آخرين. ولأن المتهم دون السن القانونية، لم تنشر هويته بعد القبض عليه، لكن مفوضية البوليس فاتها سرعة تناقل الأنباء على شبكات التواصل الاجتماعي التي امتلأت بشائعات مزيفة، ادعت خطأً أن المتهم مسلم ومهاجر غير شرعي عبر بحر المانش. الحقيقة التي نشرتها المفوضية المسؤولة، لكن بعد فوات الأوان، أنه ليس مسلماً أو مهاجراً وإنما من مواليد إمارة ويلز لأبوين من رواندا.

الملحوظة الأخرى المقلقة أن الإجراءات التي يريد رئيس الحكومة اتخاذها (بجانب مشكلات تعريض حكومته لقضايا في المحاكم لا شك سترفعها المنظمات الحقوقية) قد تعالج أعراض ظاهرة مرضية تنتشر في المجتمع، لكنه يتجاهل الأسباب الأكثر عمقاً التي أدت إلى تغريب شرائح من المجتمع، خصوصاً من الطبقات الأقل حظاً اقتصادياً، عن الحوار القومي الدائر في الوسائل الصحافية أو حتى في قاعة البرلمان ولجانه (مجلس العموم معطل في الإجازة الصيفية حتى الشهر المقبل) لأن الحوار محدد بأجندة المؤسسة الليبرالية التي تتجاهل أولويات الطبقة العاملة والفئات المهمشة الغاضبة من تدهور الخدمات والبطالة وأزمة تغير المجتمع المألوف بازدياد الهجرة، وبدأت تفقد الثقة بالممارسة الديمقراطية، إذ لا يفي الساسة بوعودهم بعد تبدل الحكومة عبر صندوق الاقتراع. هذه الفئات شاهدت على الشاشات المؤتمر الصحافي لرئيس الوزراء عندما تجاهل مراسلي الوسائل الصحافية التي تطرح أسئلة عن همومهم ومشكلاتهم الحقيقية، ويتجاهلها سياق تغطية الشبكات الكبرى التي اكتفى ستارمر بإجابة مراسليها. تركيز أخبار الشبكات الكبرى كان على مظاهرة عنيفة واشتباكات مع البوليس الذي حال دون محاولة متطرفين مهاجمة جامع إسلامي في بلدة سوثبورت (شمال ميناء ليفربول) التي شهدت حادثة مصرع الأطفال، لكن كانت هناك مظاهرات أخرى، إحداها أمام مقر رئيس الحكومة نفسه في ويتهول، وبعضها في مدن أخرى أمام فنادق ومبانٍ نزل بها الوافدون بالقوارب على نفقة البلديات المحلية التي تنقص الخدمات والإسكان واحتياجات السكان من دافعي الضرائب. ورغم وجود عدد معتبر من مثيري المتاعب والمعروفين بعنصريتهم وكراهية الأجانب، فإن الاحتجاجات شملت أعداداً كبيرة من السكان المحليين اللامنتمين لتيارات سياسية، منهم أسر وأمهات بلافتات احتجاج أمام فنادق المهاجرين. قلق هذه المجموعة المسالمة (سواء حقيقية أو هواجس) مصدره أن السواد الأعظم من الوافدين بالقوارب هم ذكور في سن الخدمة العسكرية من بيئات أجنبية. لكن تجاهل هموم المواطنين المسالمين غير المسيسين بوصف الاحتجاجات بكليشيهات مثل «عناصر مندسة» أو «تآمر اليمين المتطرف»، قد تؤدي إلى تمكن منظمات ذات أغراض غير حميدة من اجتذاب المواطن العادي إلى صفوفهم بشعارات ديماغوغية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما وراء الاحتجاجات في مدن بريطانيا ما وراء الاحتجاجات في مدن بريطانيا



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt