توقيت القاهرة المحلي 18:34:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

في وستمنستر... يرحل الساسة وتبقى التقاليد

  مصر اليوم -

في وستمنستر يرحل الساسة وتبقى التقاليد

بقلم: عادل درويش

تتغير الحكومات، ويتعاقب رؤساؤها، وتتبدل الأحزاب، لكن ثوابت وستمنستر تبقى؛ فالبنشات الخضراء، والصولجان، والصندوقان الخشبيان اللذان يلمسهما المتحدث ومعارضه، وقواعد المناظرة البرلمانية؛ تبقى شاهدة منذ قرون: الأشخاص يرحلون، والبرلمان باقٍ بفضل تقاليده.

الجلسة الأخيرة للسير كير ستارمر في «أسئلة رئيس الوزراء»، تحولت أيضاً إلى درس حي في ثقافة وستمنستر وتقاليدها الدستورية.

المواجهة الأسبوعية مدرج لها نصف ساعة، وتكون حادة وسريعة، تتخللها السخرية والعبارات اللاذعة، ويحاول كل من رئيس الحكومة وزعيم المعارضة إلحاق أكبر ضرر سياسي بخصمه. فعبارة ساخرة، أطلقت في لحظة محسوبة، تجرح أكثر مما تفعله خطبة طويلة.

هذه المرة، طالت المبادلة الكلامية بين ستارمر وزعيمة المعارضة، كيمي بادنوك؛ أصبحت السخرية ودية، وتحولت المواجهة إلى مزاح بين خصمين يعرفان أنها الأخيرة.

استغرقت مناقشات صندوقي الخطابة 45 دقيقة، والفقرة كلها شاملة الانتقال إلى البند التالي، 49 دقيقة. لم تكن هناك أزمة تبرر ذلك؛ لكن مجلس العموم سمح للحظة الوداع بأن تأخذ وقتها.

تضمّن المشهد مفارقة النفاق السياسي الذي لا تخلو منه البرلمانات؛ فأكثرية نواب الحكومة الذين وقفوا يصفقون لستارمر، هم من رشحوا منافسه أندي بيرنهام لخلافته قبل أيام ليسهموا في دق آخر مسامير نعش حكومته.

وزراء وشخصيات عمالية بارزة جلسوا بعيداً عنه في مقاعد الحكومة؛ ففي وستمنستر تكشف جغرافية الجلوس أحياناً انتقال السلطة قبل أن تنطق به الكلمات.

ومع ذلك، وقف أكثريتهم للتصفيق عند النهاية؛ فالسياسة في وستمنستر تفصل، ولو مؤقتاً، بين الخصومة واحترام الخصم.

لكن رئيس المجلس، السير ليندسي هويل، مهمته حفظ النظام؛ فالتصفيق ليس من تقاليد مجلس العموم، رغم تسلله إليه في السنوات الأخيرة، فالتعبير عن الاستحسان بالصياح التقليدي: «هير، هير» (أي: استمع استمع»، لا بالتصفيق كما يحدث في برلمانات أخرى.

وهكذا، تلقى أغلبية نواب الحكومة توبيخاً من رئيس المجلس بسبب تصفيقهم للرجل الذي كانوا قد ساعدوا لتوهم في إبعاده.

وقد يبدو بعض طقوس وستمنستر غريباً للوهلة الأولى؛ فلا توجد منصة مرتفعة يخطب منها رئيس الوزراء، بل يقف رئيس الحكومة وزعيم المعارضة عند صندوقين خشبيين تاريخيين يعرفان باسم «ديسباتش بوكس».

ومن عند الصندوقين تلقى الخطب، وتوجه الأسئلة، وتعلن السياسات، ويسجل التاريخ لحظات النصر والانكسار، ويضع المتكلم أوراقه فوق الصندوق، وغالباً ما تستقر يداه على حافته وهو يواجه خصومه عبر مسافة، وفق التقليد، لا تسمح بتلامس سيفين ممتدين، تفصل الحكومة عن المعارضة.

ولو كانت القاعة مسرحاً، فإن الصندوقين يمثلان مقدمة خشبته، بينما يتصدر الصولجان المشهد فوق طاولة المجلس الممتدة بينهما، حيث يجلس كتبة المجلس مرتدين الشعر المستعار التقليدي. والصولجان الذهبي يمثل الرمز المرئي لسلطة البرلمان المستمدة من التاج.

عند بداية يوم العمل البرلماني، يتقدم رئيس المجلس في موكب رسمي من مقره إلى قاعة مجلس العموم، يتقدمه حامل الصولجان، حارس البرلمان حامل السيف «سيرجنت آت آرمز»، أحد أقدم المناصب البرلمانية، ثم يضع الصولجان فوق طاولة المجلس، معلناً بذلك انعقاد المجلس رسمياً، وأن سلطته الدستورية قائمة. وعند انتهاء الجلسة يرفعه ويحمله خارج القاعة خلف رئيس المجلس؛ فوجود الصولجان فوق الطاولة يمنح المشهد البرلماني حياته، وغيابه يسدل الستار عليه.

ولحظات وداع رؤساء الحكومات جزء من الذاكرة السياسية البريطانية.

كلمات توني بلير الأخيرة عند صندوق الحكومة، بعد عشر سنوات في رئاسة الوزراء: «هذا هو الأمر إذن. النهاية»، وكأنها إسدال ستار شكسبيري على عهد كامل.

أما كاميرون فودع المجلس مازحاً، مستعيراً عبارة وجهها إليه يوماً توني بلير: «كنتُ أنا المستقبل ذات مرة»؛ وغادر القاعة مثقلاً بنتيجة استفتاء «بريكست» الذي أنهى رئاسته قبل موعدها.

وكان بوريس جونسون، كعادته، أكثر مسرحية؛ فقد ختم آخر ظهور له بعبارة «الترمينتور» أرنولد شوارزنيغر الشهيرة: «هاستا لافيستا، حبيبي». لكن العبارة الأخرى المرتبطة بالممثل الشهير: «حتماً سأعود»، كانت تلميحاً من جونسون باحتمال عودته.

أما ستارمر فاختار كلمات أبسط وأكثر هدوءاً: «شكراً لك، سيدي الرئيس. لقد كان شرفاً لي أن أخدم في هذا المجلس».

لم يكن فيها تحدي جونسون، ولا الإيجاز الدرامي لبلير، ولا السخرية الذاتية عند كاميرون؛ لكنها لخصت، من دون قصد ربما، جوهر ما حدث في 45 دقيقة طويلة: رئيس حكومة يرحل فيما يبقى المجلس.

أعاد الرئيس النظام للقاعة وانتقل إلى البند التالي، واستؤنف العمل كأن التاريخ لم يتوقف إلا للحظات.

بقيت المقاعد الخضراء، وبقي صندوقا «الديسباتش»، وبقي الصولجان فوق طاولة المجلس. الحكومات تتغير، والشخصيات تتبدل، لكن الطقوس والقواعد والرموز تستمر

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في وستمنستر يرحل الساسة وتبقى التقاليد في وستمنستر يرحل الساسة وتبقى التقاليد



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:58 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt