توقيت القاهرة المحلي 12:48:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بريطانيا وقضية التعاطف الشعبي

  مصر اليوم -

بريطانيا وقضية التعاطف الشعبي

عادل درويش
بقلم -عادل درويش

لا يكاد يختلف اثنان في معظم أنحاء العالم على تعاطفهم مع المدنيين في فلسطين الجغرافية، أو على ضرورة إيجاد حل سريع للوضع المأساوي لسكان غزة، والتوصل لتسوية سلمية، كمشاعر إنسانية عامة.

بريطانيا ليست استثناءً من تنامي شعور التعاطف، الذي اتخذ، لأربعة أشهر، شكل مظاهرات متكررة أثارت في الأسابيع الأخيرة انقسامات حادة، تركت أثرها في مشاهد غير مسبوقة في أم البرلمانات، في وستمنستر (راجع عدد الأحد الماضي من «الشرق الأوسط»).

لماذا اخترنا العنوان؟ الموجه لمحبي السلام والساعين لحل عادل لجميع الأطراف، وخاصة منظمات الغوث والمعونات الإنسانية.

متابعتي لكثير من الحركات الاحتجاجية أو الداعية لأهداف إنسانية، تستخلص دروساً مهمة (وأركز هنا على بريطانيا، موطني لأكثر من ستة عقود متابعتي فيها بدأت مع مسيرات «حركة نزع الأسلحة النووية» التي انطلقت في نهاية الخمسينات).

في كثير من الأحوال الحركة بدأتها نواة من الأشخاص حركتهم إنسانيتهم بدوافع نبيلة، ولاقت تأييد جميع الأطياف بما فيهم الكنيسة الرسمية ورجال معظم الأديان والصحافة.

النواة، النبيلة الأهداف، كثيراً ما تجد نفسها، «تاهت في الزحمة».

المقصود بالازدحام هنا، تضخم المشاركين في الحركة، لاغتباط قادتها في البداية، حتى تجد الحركة الأصلية نفسها أقلية، وسط تيارات وحركات وتنظيمات وآيديولوجيات وأفراد، بينهم بالطبع المتعاطفون إنسانياً، وبعضهم لدوافع أخرى لترويج آيديولوجيات أو افتعال مواجهات أو إثارة أمور لا علاقة لها بالأهداف الأصلية الإنسانية. الأخطر بالطبع الجهل بالتفاصيل، وذوو المعرفة السطحية الذين يندمجون في الحركة بدوافع عاطفية ويندفعون بتحمس الجماعة إلى ارتكاب مخالفات قانونية تضر بالحركة الأصلية وتخسرها التعاطف الشعبي.

حرية التعبير والاحتجاج والتظاهر من الحقوق المقدسة في بريطانيا، وكثير من حركات الاحتجاج تاريخياً تلتزم القانون، وبتقاليد المجتمع، البريطانية.

مسعى المظاهرات جذب انتباه الرأي العام عن طريق الصحافة والإذاعات، ولذا ترى كثيراً من الدمى العملاقة والأقنعة الساخرة بشكل كاريكاتيري من الساسة؛ والأهم إقناع الجهة الوحيدة القادرة على إحداث التغيير المطلوب: نواب البرلمان في وستمنستر.

في الأيام القليلة الماضية، رأينا عدداً معتبراً من نواب مجلس العموم يشكون من «التخويف الاستفزازي» لحركات الاحتجاج، لدفعهم للتصويت في اتجاه محدد (وهو أحد الأسباب التي ساقها رئيس البرلمان في خروجه عن الأعراف البرلمانية الأسبوع الماضي).

وتخصيص 31 مليون جنيه إسترليني يوم الأربعاء لحماية مخصصة لنواب البرلمان من تهديدات المحتجين.

شكوى النواب من تهديدات المحتجين كالصراخ في وجوههم بمكبرات الصوت، ومحاصرة منازلهم والهتافات المعادية بمكبرات الصوت (كما حدث مع النائب توبايز إيللوود وزير الدفاع السابق، ووزير شؤون الشرق الأوسط في الخارجية سابقاً، ولجنة شؤون الدفاع البرلمانية) ومحاصرة مكاتب الدائرة لعدد من النواب بسبب التزامهم خطَ الحزب في مناظراتهم البرلمانية (كما حدث للنائبة العمالية المسلمة روشانارا علي).

رئيس الوزراء ريشي سوناك استدعى مفوضي قوات البوليس وحثهم على عدم السماح «لسلطة الغوغاء» بأن تكون بديلاً عن «حكم الديمقراطية».

وزير الداخلية، جيمس كليفرلي، قال إن المظاهرات والمسيرات حققت الغرض من تعاطف الرأي العام، وناشد المتظاهرين التقليل منها، حيث تجاوزت تكاليف حراستها ورعايتها 24 مليون جنيه من ميزانية بوليس لندن، بجانب أنها تشغلهم عن متابعة الجريمة في أماكن أخرى.

بتشريح المسيرات والمظاهرات في الفترة الأخيرة تجد أن بها كثيراً من التيارات، لا علاقة لها بالفلسطينيين أو الإسرائيليين، وربما لا يعرف كثيرهم أين تقع غزة على الخريطة.

هناك الكثيرون من محترفي المظاهرات وتعطيل المرور، وأيضاً تنظيمات ليس في تاريخها اهتمامات بقضايا الشرق الأوسط كمحتجي البيئة، أو حركة منع التنقيب عن البترول، وحركات المثليين، لكنهم يركبون الموجة للدعاية لأنفسهم لتظهر الكاميرات لافتاتهم.

أما التيارات التي دفعت برئيس الحكومة للتحذير من «سلطة الغوغاء» وتخصيص الحراسة للنواب، فوراءها آيديولوجيات وتنظيمات سبقت نشاطاتها أحداث أكتوبر (تشرين الأول) الماضي المأساوية بسنوات؛ وهي حركات تتسم بالعنف، وليس بين أعضائها وناشطيها عرب. فمثلاً من يقفون بالميكروفونات ويدعون إلى «إعلان الجهاد العالمي» أو يحاصرون مكاتب النواب أو يهددون أسرهم، ينتمون تاريخياً إلى حركات، متطرفة أو مدرجة على قوائم الإرهاب، وعضويتها ممنوعة قانونياً. وهناك من لا يعرفون من اللغة العربية سوى نصوص بسيطة لترديد ما يلزم فقط لأداء شعائر الدين، ولذا فمعرفتهم بتاريخ مشكلات المنطقة وأسباب الخلاف، سطحي ومحدود بالترجمات الانتقائية.

الحملة الانتخابية بدأت بالفعل وأولوية الناخب الاقتصاد الذي يؤثر عليه سلباً تهديد الملاحة في البحر الأحمر، فماذا نتوقع رد فعل المواطن البريطاني لرفع أعلام الحوثيين في المسيرات؟

أو رد فعله لاستقطاع البوليس الوقت والميزانية من أمن المواطنين لحراسة المظاهرات؟

وكيف وصل الأمر بأن ترتبط في الأذهان عبارات «كسلطة الغوغاء» أو «تخويف النواب» بحركة بدأت أصلاً بنوايا نبيلة ولأهداف إنسانية؟

ولذا فمن الحكمة أن تبتعد حركة دعم السلام في غزة ومساعدة المدنيين، بنفسها عن التيارات والتنظيمات الغريبة جغرافياً وتاريخياً وفكرياً، التي تركب موجة الاحتجاجات لأغراض لا علاقة لها بالأهداف الأصلية الإنسانية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بريطانيا وقضية التعاطف الشعبي بريطانيا وقضية التعاطف الشعبي



إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt