توقيت القاهرة المحلي 11:48:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

جبال التاريخ المثقوبة

  مصر اليوم -

جبال التاريخ المثقوبة

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

«التاريخ، بكل بساطة، هو قطع أوراق مغطاة بالحبر، القائد هو الذي يصنع التاريخ، وليس الذي يكتب عنه التاريخ، لأن التاريخ يكتب كل شيء» (أوتو فون بسمارك، رجل الدولة البروسي).
العصر الذي نعيش فيه اليوم، وُلد من رحم عصور عاشت ولكنها مضت في رحاب الزمن وبقيت آثارها تفعل في صمت يتضاءل مع ولادة أفكار وثقافة واختراعات جديدة متدفقة. كل أمة لها تاريخها القديم المتحرك مع إيقاع الحياة، لكن هناك محطات حيوية قريبة لها إيقاعها الحاضر والفاعل في العقول والأرض.
التاريخ كيس جبل ضخم من الأحداث المكتوبة والمرويّة، ولكل تكوين بشري مهما صغُر تاريخه الذاتي البعيد والقريب، والشعوب والأمم هي كذلك كبيرها وصغيرها. الشعوب الحية لا تتوقف عن قراءة تاريخها ولها معامل علمية لتشريح التاريخ يعيش فيها الباحثون ليستلّوا الهنّات التي أثّرت في مسار حياة شعوبهم، وكذلك مهامز القوة الفكرية والعلمية والإدارية بجوانبها السلمية والحربية. هكذا يكون التاريخ كائناً حياً حاضراً وله فعله التأسيسي والتطويري. هناك أكوام ضخمة في كيس التاريخ الماضي الذي مات ورقد في قبر النهاية، قد يصلح ليكون من النوادر المسلّية، لكنه لا يضيف شيئاً لسماد تربة الحاضر في الحياة والعقل. غاص الكثير من الفلاسفة في أعماق الماضي، وفككوا أفكار من سبقهم ليبنوا بحجارتها قلاعاً شاهقة يرفعون فوقها منارات للمستقبل، ويخطوّن بحبرها صفحات النور لشعوبهم وللإنسانية كلها.
في الصين واليابان ودول أوروبا وأميركا، تتسابق أطياف الأجيال على دراسة التاريخ وبخاصة الحديث منه الذي يمكننا أن نطلق عليه التاريخ الحي، ويلتحق الكثيرون منهم بمعاهد البحوث السياسية والاجتماعية وبعضهم يتوجه إلى التدريس بالجامعات. التاريخ السحيق الإغريقي والمصري والروماني مثلاً، له دارسوه لكنهم قلة يلامسون من خلاله الفلسفة وكذلك الأديان. في البلاد العربية، تميل الغالبية إلى الحفر في الجبال القديمة، ويتسابقون، وكلٌّ بإزميله، لتفكيك حجارة الماضي السحيق، ولا يغيب العراك بسلاح التبجيل والتبرير ولا يغيب إصدار الأحكام المرسلة على هذا الطرف أو ذاك، وتتحول البحوث التاريخية إلى قاعات محاكم تبرّئ أو تُدين.
شهدت البلاد العربية في القرنين الأخيرين، أحداثاً كبيرة شكّلت سلاسل من الانكسارات بل الكوارث؛ من الاستعمار إلى احتلال فلسطين وتشظي البلدان والانقسامات وتفشي الآيديولوجيات الدموية التي جعلت من التكفير سيوفاً للقتل، والتسلط الديكتاتوري وتكريس التخلف. لكن كل ذلك لم يلد محركاً يدفع الدارسين والمؤرخين إلى الغوص فيما حدث والحفر في طبقات الزمن الماضي لاكتشاف مكامن الوهن، وبناء منصات إطلاق العقل من صخور جبال التفكير والتنوير والعلم.
الفريق سعد الدين الشاذلي القائد العسكري الاستراتيجي المصري، خاض أربع حروب ضد إسرائيل من حرب 1948 إلى حرب 1973. في مذكراته روى تفاصيل ما عاشه. في الحرب الأولى تحدث عن قلة عدد الجيوش العربية، وضعف خبرتها. وقال إنه لم يمسك قنبلة يدوية في يده خلال حياته العسكرية قبل الذهاب إلى حرب فلسطين، وامتلاك اليهود للطيران كان مفاجأة للقوات العربية. وتحدث عن حرب يونيو (حزيران) وغياب الإعداد العسكري الحقيقي، وأورد الفريق الشاذلي مفارقة عسكرية غريبة وهي أن المشير عبد الحكيم عامر قائد القوات المصرية المسلحة، زار الكلية الحربية وكان الدرس عن تكتيك الانسحاب، فأمر بإلغاء المادة، وقال: إن الجيش المصري لا ينسحب، مع أن مادة تكتيك الانسحاب أساسية في العلم العسكري، وقد كانت عبقرية الماريشال رومل في الانسحاب بعد هزيمته في العلمين، لا تقل عن عبقريته في الهجوم الخاطف وابتكار الخطط الميدانية الجريئة.
لقد وظّف الفريق الشاذلي خبراته القتالية التي عاشها في الحروب السابقة في حرب أكتوبر (تشرين الأول) التي انتصر فيها الجيش المصري. ذلك هو التوظيف الحي للتاريخ والتجارب. الجنرال الإسرائيلي موشي ديان، زار فيتنام في أثناء الحملة الأميركية عليها ودرس تفاصيل المعارك. والجنرال جياب، قائد القوات الفيتنامية الشمالية، كان مفتوناً بتفاصيل حروب نابليون بونابرت وغاص في تاريخها. بالنسبة إلى اليهود، كان التاريخ القديم والحديث وقود الشحن لتحقيق طموحهم في إقامة دولتهم بفلسطين، لكنهم لم يغرقوا في بحر الماضي السحيق وأساطيره إلا في حدود، بل ركزوا على معاناتهم في المحارق النازية لتكون الرابط الذي يجمعهم من الشتات، ويجعلهم يستميتون في القتال ضد العرب، ويؤسسون دولتهم على العلم والقوة العسكرية والصناعية، لأنها الدرع التي تحصّنهم ضد الضعف والشتات والعودة إلى ما عانوه في الماضي. لقد رفع مناحم بيغن، السياسي الصهيوني المتشدد، شعار «لن يعود ما كان، never again».
الحروب العربية الأربع ضد إسرائيل في القرن الماضي، لم تنل من الدراسة والتحليل والتأليف ما نالته حروب العرب الأهلية فيما بينهم من الفتنة الكبرى والحروب بين الأمويين والعباسيين والعلويين، وبين الأبناء والآباء والإخوة على إمارة المؤمنين وكراسي السلطنة في الحقب السحيقة. المعارك بين السنة والشيعة، في الكتب والأفواه ووسائل الإعلام، والخصام حول المهدي المنتظر، هل كان أم لم يكن، والزيدية والجارودية والخوارج والمعتزلة والأشعرية، إلخ. المؤرخون والمفكرون الأوروبيون سارعوا إلى تفكيك ما سمّوها الحداثة التي عاشتها أوروبا بعد الانتقال إلى المرحلة الحضارية التي أنتجتها فلسفة التنوير ومنها إلى حلقة الصناعة، لكنهم هبَّوا إلى نقدها بعد الحربين العالميتين تحت عنوان «ما بعد الحداثة». هناك من بقايا التاريخ ما يوضع في المتاحف، ومنها ما يُصب في مختبرات العقول ليكون وقوداً فكرياً يدفع محركات التقدم. سنة 1968 شهدت أوروبا ربيعاً شبابياً، انطلق من فرنسا وساح في غرب أوروبا تعبيراً عن رفض الشباب الحياة في متحف الفكر الموروث، سارع علماء الاجتماع والسياسيون والمفكرون إلى دراسة ما حدث، وأُقيمت حلقات نقاش علمية موضوعية، ووُضعت البرامج العاملة لمعالجة دوافع تلك الحركة وتم تجاوزها. ظهرت بعد ذلك حركات دموية متطرفة يسارية وهي: «بادر ماينهوف» في ألمانيا، و«العمل المباشر» في فرنسا، و«الألوية الحمراء» في إيطاليا، وأُخضعت كلها للدراسة العلمية، وتم تشخيص دوافعها من كل جوانبها، ووُضعت برامج تعلمية ونشاطات شبابية ثقافية ورياضية لمواجهة تيارات العنف.
التاريخ يشيخ بعضه وآخر يموت، أما ما ينفع الناس منه، فذلك الكم الحي الذي يعيش معنا فوق الأرض وفي الرؤوس.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جبال التاريخ المثقوبة جبال التاريخ المثقوبة



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt