توقيت القاهرة المحلي 02:01:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«الموت عمل شاق»

  مصر اليوم -

«الموت عمل شاق»

بقلم : بهاء جاهين

 بهذا الاسم صدرت أحدث روايات الكاتب السورى خالد خليفة. وهى روايته السادسة، إلا أننى لم أقرأ له إلا رواياته الثلاث الأخيرة. فقبل هذه، الصادرة عن دار العين للنشر بعنوان «الموت عمل شاق» 2016، قرأت ما سبقتها، وعنوانها «لا سكاكين فى مطابخ هذه المدينة» 2013، وقد حصلت على جائزة نجيب محفوظ ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية «بوكر»، وسابقتهما «مديح الكراهية» 2008، التى تُرجمت إلى عدة لغات ووصلت هى أيضاً للقائمة القصيرة لبوكر العربية كما رُشحت لجائزة إندبندنت العالمية. وبعيداً عن هذا الاحتفاء العام، ينبغى أن أعترف بأن الروايات الثلاث طبقاً لتذوقى الشخصى تقترب من قمة الإبداع. وقد سبق أن كتبت عن »مديح الكراهية« والرواية التى تلتها، والاثنتان كانت تدور أحداثهما فى حلب، وتتناول كل منهما أسرة سورية من ساكنى حلب فى مناخ الصراع السياسى بين الدولة والإسلاميين فى السنوات القليلة التى انتهت بثورة 2011. أما رواية «الموت عمل شاق» فقد كُتبت بعد مارس 2011، وتصف الأجواء التى يعيش فى ظلها الشعب السورى الآن بعد أن وصل الصراع السياسى إلى مرحلة الاحتراب الأهلي، وبعد أن أصبح الموت حقيقة يومية عادية وشائعة، وتافهة كموت ذبابة. لكن الموت عمل شاق مشقته ما بعدها مشقة، إذا لم تتغير الحقائق الأخرى والقيم الأخرى لتصبح بنفس التفاهة، فى وجدان ما زال يحتفظ، رغم ما يدور حوله من عبث، ببعض الرومانسية وبأخلاقيات ما قبل الطوفان الذى يركب فيه الأب كتفى ولده ليحتفظ بفتحتى أنفه سنتيمترات فوق الماء.

تبدأ الأحداث بموت كهل فى دمشق، يوصى ولده وهو على سرير الاحتضار، بأن يدفنه فى مقبرة الأسرة بقرية بعيدة فى ريف حلب. ولأن ولده نبيل (وشهرته بلبل) ما زال يحتفظ داخله بوجدان غنائى ومنظومة قيم ربما كانت تصلح قبل الحرب، فقد وعد أباه بتنفيذ الوصية، ليتحول الموت فى ظل هذا الوعد من حدث تافه يحدث كل دقيقة إلى سفر مرعب تحت أهوال القصف، فى طريق طويل يقطع سوريا الحرب الأهلية, عبر كمائن عدة متعددة الهويات العسكرية والعقائدية، فى عربة ميكروباص يقودها حسين الأخ الأصغر لنبيل أو بلبل، وتجمع، للمرة الأولى من سنوات، الأخوين إضافة لأختهما فاطمة، بعد أن حولتهم الحقائق الأخيرة لغرباء. اضطرتهم لهذا ظروف الموت العاديّ، الذى عاد استثنائياً بوعد نبيل الرومانسى لأبيه بدفنه فى قريته البعيدة بجوار شقيقته، بدلاً من إيلاج جثمانه أقرب حفرة أو مقبرة جماعية بلا هوية سوى هوية الموت اليومى والتهاوى كالذباب. فى سيارة الميكروباص تلك، التى يعمل عليها ويرتزق منها حسين، يحمل الإخوة الثلاثة جثمان أبيهم ملفوفاً فى بطانية تحت حرارة الصيف، وتحت العيون المتوجسة متعددة الهويات والتى لا تتفق إلا فى توجسها ونظرتها المفتشة فى قلوب الإخوة الثلاثة وضمائرهم وأوراقهم التى تشى بالمنطقة الجغرافية والطائفة الدينية وانتمائهم المفترض إلى هذا الجانب أو ذاك من المتحاربين، تحت تلك الشمس وتلك العيون يتعفن بالتدريج جثمان الأب، بعد أن تحولت السَّفرة التى تستغرق فى الأحوال العادية ساعات إلى رحلة استغرقت عدة أيام تصاعدت خلالها رائحة التعفن التى لا تطاق لجثة تنهشها الديدان. وبعد ويلات العذاب وإصرار بلبل على احترام رغبة أبيه الأخيرة، لم يسمح الواقع بدفن الأب كما أوصى بجوار شقيقته، ولكن فى ركن بعيد وحده فى المقبرة العائلية، إلا أن بلبل دفن مع جثمان أبيه خوفه المزمن. الرواية رحلة إبداعية شائقة كما هى رحلة جغرافية كابوسية بطول سوريا الحرب الأهلية. وهى رحلة تستحق أن تقطعها أيها القارئ العزيز فى جنة إبداع تتحدث عن جحيم الحرب.

نقلا عن الآهرام القاهرية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«الموت عمل شاق» «الموت عمل شاق»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt