توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كافكا.. وكوابيس اليقظة -3

  مصر اليوم -

كافكا وكوابيس اليقظة 3

بقلم - بهاء جاهين

 ذروة كوابيس كافكا قصته «المسخ» (1912). وكلمة مسخ هنا هى اسم فعل يصف عملية مسخ أو تحويل كائن بشرى إلى صرصار. تبدأ القصة برجل - اسمه جريجور سامسا ويعمل بائعاً متجولاً يسافر بين البلاد - يصحو من نومه متأخراً عن ميعاد عمله, ويحاول النهوض بسرعة ليجد نفسه عاجزاً تماما؛ فقد تحول من إنسان إلى حشرة مقلوبة على ظهرها, أرجلها العديدة تتحرك بلا انقطاع, دون جدوي. هذا الموقف المبدئى هو أيضاً ذروة, لا للجو الكابوسى فقط, بل للتجسيد الرمزى للعجز فى الأدب؛ العجز والتفاهة وضآلة الشأن, وربما الأدق أن نقول: «الإحساس» بالعجز والتفاهة وضآلة الشأن. لأن ذلك البائع الذى يستيقظ ليجد نفسه على هذه الحال, أمام نافذة تكشف له عن صبح ضبابى ممطر, هو ذروة مجسدة للتعبير عن اكتئاب الوجدان؛ حيث انعدام القدرة والرغبة معاً فى أى فعل, والشعور بالضآلة والانسحاق. ويكشف تطوّر أحداث القصة عن أبعاد أخرى للورطة, وأعراض كلاسيكية أخرى لحالة الاكتئاب الوجداني. فجريجور سامسا, الذى يعيش مع والديه وأخته, تعود قبل النوم أن يوصد باب غرفته من الداخل بالمفتاح. وحجرته لها عدة أبواب تفصلها عن صالة الطعام وحجرة الأخت, كلها مغلقة من الداخل. وهذا يعمق الورطة الكابوسية؛ لأن الأهل الذين ينادونه ليستيقظ ويخرج لعمله لا يستطيعون الدخول لمساعدته على النهوض, وحين يرد عليهم, بكلام يفهمه هو, لا يفهمونه ؛ لأن صوته هو الآخر تحوّر من حالة الإنسان المبين إلى حال الحشرة. وكل هذا ليس فقط تطورات متصاعدة للمأزق/الكابوس, بل هو أيضاً تجسيد بليغ لحال العزلة والعجز عن التواصل الإنسانيّ الذى يعانيه الوجدان المكتئب. ومن أهم الأعراض لهذه الحالة أيضاً, أن تستيقظ من نومك شاعراً بكل هذا, «على الريق».

ويتصاعد كابوس اليقظة: فيصل باشكاتب الشركة التى يعمل لحسابها سامسا متسائلاً عن سبب تغيبه عن العمل. وينضم صوت الباشكاتب لطائفة المنادين على سامسا عبر الأبواب محكمة الإغلاق. ولعجز سامسا عن إيصال صوته الإنسانى وكلامه المفصّل, يجيب عن طلب الباشكاتب منه أن يفتح الباب بكلمة واحدة من مقطع واحد, تصل إلى رئيسه رغم تغيّر آلة النطق عنده من حنجرة بشرية إلى صفارة صرصار- فيجيبه قائلاً: لا. وأمام هذا الرد الوقح, يهدده الباشكاتب بالفصل, فيلقى سامسا بثقل جسده منذعراً إلى الأرض ويزحف إلى الباب, فيستند إليه بأرجله الكثيرة, ويعالج المفتاح بفمه حتى ينفتح بعد عذاب طويل.. وهنا يصل الكابوس إلى ذروته: لقد تكشف للأهل ورئيس العمل أن سامسا تحول إلى حشرة مقززة عملاقة..

هنا ينتهى الفصل الأول من قصة كافكا الطويلة أو روايته القصيرة: «المسخ». والفصلان المتبقيان يتتبعان نتائج وتطورات هذا الموقف المبدئى الكابوسيّ, حتى تنتهى الحكاية بموت سامسا, وحصوله على الخلاص هو وعائلته. والعجيب أن هذه القصة أيضاً, كما رأينا فى روايته «أمريكا», تنتهى بنغمة متفائلة: فالربيع اقترب, والأخت جريتا تفتّح برعمها وصارت وردة متألقة, اكتمل بهاؤها بعد انزياح الكابوس.

إن قصة «المسخ» هى ذروة بأكثر من معنى وعلى أكثر من مستوي. فقد بلغ فيها التكثيف قمته لانسحاق الفرد أمام المؤسسة, وشعوره بالغربة والعزلة والعجز. والمؤسسة هنا ليست بضخامة الهيئة القضائية فى رواية كافكا «المحاكمة» أو الهيئة البيروقراطية العملاقة فى «القلعة» أو الفندق الغربى فى «أمريكا», فهى مجرد شركة تجارية صغيرة, إلا أن سلطتها على جريجور قهّارة. وينضم الأب أو السلطة الأبوية فى «المسخ» إلى مؤسسات القهر المتعددة فى أعمال كافكا. ورغم كل هذه القتامة, فإن كتابات كافكا ساحرة وممتعة, لأنه يعرف كيف يكتب بشكل مختلف, وكيف يصل إلى عطر الشعر من دروب خفية, وبلغة لا تدعى الشاعرية, بل تغوص فى متاهات القانون وأوراق الموظفين.. أو حتى علم الحشرات!


نقلا عن الاهرام القاهرية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كافكا وكوابيس اليقظة 3 كافكا وكوابيس اليقظة 3



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt