توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحاجة الماسة للخيال الأدبى

  مصر اليوم -

الحاجة الماسة للخيال الأدبى

بقلم - بهاء جاهين

 الكتابات الفانتازية واقعية؛ من حيث أنها تعكس الحاجة الماسة للخيال, الجامح, لمواجهة ثقل الحقائق اليومية ورسوخها على القلب, وأسرها للعقل فى عقال التكرار والسأم, والبياض الإسمنتى الكالح للجدران. وإن كانت الفانتازيا, أو الكتابة المغرقة فى الخيال, هى عكس الواقعية كأسلوب, فإن اللجوء إليها تعبير عن احتياج إنسانى موجود منذ القدم: فى الحكايات والأساطير وحواديت الجدات وقصص الحيوان وغير ذلك من أعمال أدبية أو فلكلورية هدفها فهم الواقع أو تفسيره, أو التكيف معه عن طريق التخفف من ثقله والهروب المؤقت من وطأته. دارت فى ذهنى هذه الأفكار وغيرها, وأنا أقرأ آخر نموذج وقع فى يدى من أعمال الفانتازيا, أو قصص الخيال الجامح الموغل فى الإغراب والعجائبية, بينما تشعر طوال الوقت وأنت تقرؤه بما يجثم فى لبه من نواة ثقيلة للواقع اليومىّ, الذى تضرب أجنحة الخيال المحلق بقوة للإفلات من أسره. هذا النموذج الذى قرأته أخيراً, باستمتاع وببعض الوجع, هو رواية «الوصفة رقم 7» للأديب والكاتب الصحفى الشاب أحمد مجدى همّام, الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية.قبل أن أنتقل إلى تفاصيل العمل, أود أن ألفت القارئ الكريم إلى أن وظيفة الفانتازيا, مهما بلغت من شطط وشطح, هى فى جوهرها وظيفة الفن كله مهما انغمست نماذجه فى دقائق الواقع وبدت مستغرقة فيه. فالفن كله تحليق فى الجمال. وكثير من الأعمال الواقعية حين تغوص بك فى المعروف المألوف فإنها تحررك من ربقته بالنقد والتهكم والتندر والدعابة, أو بكشف ما يكنزه فى باطنه من جمال لا تنتبه إليه إلا عين الأديب الفنان. وفى نفس الوقت, فإن أدب الخيال الجامح وحكاياته اللامعقولة تعكس, بمجرد اللجوء لها, الوطأة الثقيلة للواقع اليومىّ؛ وحين نتأمل عجائبها وغرائبها نجدها تنطوى فى باطنها على نفس الثنائيات الأبدية فى واقع الإنسان: من حب وكره, وقسوة ورقة, وإيثار وأنانية، وعنف وحنين للسلام والأمان.. بهذا المعنى, فإن الفانتازيا مهما شطت وشطحت, هى فى جوهرها واقعية؛ ورواية «رحلات جاليفر» لجوناثان سويفت, على سبيل المثال, لا تختلف كثيراً من حيث الجوهر والمحتوى الإنسانىّ عن رواية «الحرب والسلام» لتولستوى. أما «الوصفة رقم 7» لأحمد مجدى همام فهى, كجاليفر, رحلة فانتازية, لكنها, ككل أدب إنسانىّ, سجل ساخر ومأساوى معاً للحرب والسلام فى الدنيا وفى قلب الإنسان. تبدأ الرواية بتقرير حالة عن بلد تمكن من التخلص من كل أنواع المخدرات ومن القضاء الكامل على تجارتها, وهى تقص حكاية أحد مدمنى هذا البلد, واسمه مليجى الصغير, درس الفن التشكيلى وتخرج من كليته بطلوع الروح, أما هوايته فهى إجراء التجارب العلمية فى مجال الكيمياء. وحين لا يجد ما اعتاد تعاطيه يَسخّر حياته كلها لاختراع عقار يمنحه الراحة مما يعانيه. وبالصدفة ينجح فى استزراع نبتة ذات وردات سبع يتداوى بمسحوق إحداها فيدخل فى عالم عجيب. ورغم هذا المدخل, فإن موضوع الرواية الحقيقى ليس المخدرات؛ وإنما هو نعمة الخيال وما يمنحه للإنسان من أجنحة يستطيع بها التحليق والإفلات من براثن الرتابة والهمود والملل, وما يفتحه من عوالم تثير الدهشة. وإن كانت نهاية الرحلة هى مبدؤها, والعودة إلى نقطة الصفر, وموقع البدء حيث البيت وأريكة النائم الحالم, فإن العبرة فى الرحلة نفسها, ونشوة الطيران فى العوالم التى يمنحها خيال الكاتب. نعم, تتكشف «أرض اللابوريا» التى يسافر فيها مليجى الصغير بخياله عن نفس حقائق الأرض التى نعيش فيها وطالما أراد هو الغياب عنها, إلا أن النشوة التى يمنحها الفن والخيال الأدبى المتفنن فى إبداع تفاصيل لا تشبه المألوف وعوالم لم يرتدها أحد من قبل هى الغاية والوسيلة معاً؛الرحلة والجدوى من الرحلة. من هنا تأتى الحاجة الماسة للخيال الأدبى, خاصة أدب الفانتازيا.

نقلا عن الاهرام القاهريه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحاجة الماسة للخيال الأدبى الحاجة الماسة للخيال الأدبى



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt