توقيت القاهرة المحلي 13:37:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين الدولة القومية والدولة الوطنية

  مصر اليوم -

بين الدولة القومية والدولة الوطنية

بقلم: رضوان السيد

أثارت الحرب الروسية على أوكرانيا مسألة قديمة تتعلق بآيديولوجيا الدولة - الأمة التي تبلورت في القرن التاسع عشر، وقيل إنها حلت محل عوالم الإمبراطوريات. الإمبراطوريات كانت تتوسع لدوافع وطموحات استراتيجية. أما الدول القومية فبزعم الحق والاستحقاق. إذ من حق كل أمة أن تكون لها دولة. وقد تبدأ الدولة على قسمٍ من أرض الأمة ذات اللسان الواحد أو الإثنية أو حتى الجغرافيا. ثم ترتئي النخبة الحاكمة في ذاك الإقليم أن «توحد» الأمة في دولة فتغزو وتتوسع. وهكذا توحدت إيطاليا وألمانيا. لكن التعطش القومي لا يتوقف. ولذلك سعى هتلر للتوسع باتجاه الأقاليم الألمانية في بولندا وفي تشيكوسلوفاكيا. وتحت وطأة الطموحات القومية للدولة - الأمة ثارت الحرب العالمية الثانية (بل وربما الأولى!)، حيث حاولت بريطانيا وفرنسا الحيلولة دون استيلاء أدولف هتلر على غرب أوروبا وتارة باسم توحيد الأمة الألمانية في دولة، وطوراً من أجل خلْق «المجال الحيوي» أو شريان الحياة لألمانيا بين شرق أوروبا وغربها.
لا يعكس اسم «عصبة الأمم» ولا «الأُمم المتحدة» التطور الذي حصل نتيجة الحربين. فما يزالان يتحدثان عن الأمة والأمم، والحقيقة أنه صار هناك نفور شديد من الدولة القومية، وظهر الطموح إلى دولٍ وطنية مستقرة ذات حدودٍ ثابتة ولا تتحرك فيما وراء حدودها حتى لو كانت على مقربة من هذه الحدود أقلياتٌ أو إثنياتٌ تدعي الانتساب إلى شعب الأمة فيما وراء الحدود. فبالتدريج حل مصطلح National State محل Nation - State، وبدلاً من التركيز على حقوق الأقليات المختلفة عن إثنية الأكثرية، صار الحديث عن التعددية وعن دولة المواطنة، وإذا كان ذلك قد بدا سائداً في أوروبا بعد الحرب الثانية؛ فقد ظهرت مشكلات تتعلق بمعنى الهوية القومية في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية منذ إعلان الرئيس الأميركي وودرو ويلسون عام 1920 عن حق تقرير المصير لكل القوميات، أو حقها (مهما صغرت؟) في إنشاء الدولة الخاصة بها! فهل على ذلك استند مسلمو الهند أو كثرة منهم في الانفصال عن الهند وإنشاء باكستان؟ وهل يمكن للدين أن يشكل هوية قومية؟ وإذا كان ذلك كذلك فلماذا انفصل البنغاليون عن باكستان وأنشأوا بنغلاديش مقدمين الهوية الإثنية على الدينية. وهل استناداً إلى ذلك استولى الصهاينة على فلسطين باعتبارهم قومية، ثم ها هي دولة إسرائيل تصبح دولة يهودية؟ على كل حال ما أمكن تصفية الآثار القومية للدولة - الأمة في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وها هي القومية ذات البعد الديني تتعملق بالهند وقبلها بميانمار ومثلهما حتى في الصين الشيوعية ودائماً في مواجهة الإسلام!
المسألة بين روسيا وأوكرانيا مختلفة بعض الشيء. فلروسيا ثلاثة مواريث: إمبراطورية وقومية واشتراكية. وقد نجحت روسيا في حقبتها الذهبية الاشتراكية أن تجمع بين المواريث الثلاثة فتؤلف بينها وتظل قائدة فيها، وزعيماً لتحالف عالمي من أجل العدالة والسلام. وما تفكك التحالف الأممي هذا تحت وطأة الضغوط الأميركية والشعبية الداخلية؛ بل وبسبب العجز عن تحمل الأعباء وتكاليف الإنفاق. وهذا هو تحليل المؤرخ الأميركي بول كينيدي في كتابه بعنوان: صعود الإمبراطوريات وسقوطها - ومنذ أيام الساسانيين والرومان إلى الإمبراطورية البريطانية والنمساوية والعثمانية. وعندما سقط الاتحاد السوفياتي وقام الاتحاد الروسي تكونت من المنفصلين عنه (وعن روسيا) ثلاث عشرة دولة، وتبين أن 15 في المائة من الروس يقيمون خارج حدود الدولة القومية الروسية. وفي روسيا نفسها 15 في المائة من السكان من إثنيات مختلفة. ما عادت روسيا اشتراكية أُممية ولا إمبراطورية؛ لكنها أيضاً - ليست دولة قومية مكتملة ما دامت هذه النسبة من الروس مقيمة خارجها! وصحيح أن بوتين فرض على الدول الإسلامية المنفصلة تحالفاً ووزع قواعد ومحطات؛ لكنه ما سُر لتحول الدول الجديدة التي تعتبر نفسها أوروبية إلى مخاصمة روسيا أو الانفصال التام عنها بالانتماء للاتحاد الأوروبي وحتى لحلف الأطلسي. لقد مضى عام 2008 فضرب وحدة جورجيا. ومضى عام 2014 فانتزع شبه جزيرة القرم من أوكرانيا. وبحججٍ مختلفة؛ مرة ً بسبب معاداة روسيا، ومرة لأن القرم أرض روسية والناس أكثرهم روس. وهو متحير الآن بالتصرف كما تصرف تجاه بيلاروسيا، أي إقامة حكومة موالية لروسيا - أو التصرف تصرف الدولة - الأمة بانتزاع أجزاء من أوكرانيا بزعم أنها روسية (إقليم دونباس). وهو سائر الآن بالاتجاه الثاني وليس كما بدا أولاً، وهذا حبلٌ من مسد، فالإثنيات والمصالح الروسية التاريخية منتشرة على مساحة واسعة ومرة في الإثنية واللسان ومرة في الموارد الاقتصادية، ومرة في الدين الأرثوذكسي!
الدولة القوية تستطيع التصرف قومياً وإمبراطورياً. إنما حتى في حالتها لا ينبغي الوقوع أيضاً في عجز الإمبراطوريات أو شيزوفرينيا القوميات. لقد تصرفت روسيا الاتحادية تصرفاً إمبراطورياً في سوريا، وهي تتصرف قومياً في أوكرانيا وما جاورها من أوروبا. فإلى متى تستطيع ذلك وبالعسكر أو بالقوة الخشنة وحدها؟
وقد مضى علينا نحن العرب زمان (بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي)، ما بقيت محاولة للوحدة وإنشاء دولة الأمة إلا وقمنا بها بقيادة مصر. ثم كانت هزيمة العام 1967 التي تمر ذكراها هذه الأيام - فتوالت بعدها الانكماشات العدوانية لما سماه البعثيون الدولة القُطرية، وهم الذين أنشأوا هذه الكيانية العجيبة في سوريا والعراق. وقد ثبت بعد تجارب ممضة أن أكثر الدول ذات الدعوى القومية هي الأكثر هشاشة وقابلية للتصدع والانقسام. فمنذ غزو العراق للكويت حتى العمل العربي المشترك ضمن الجامعة العربية صار شبه متعذر. ومنذ العام 2011 تفككت سوريا وتهجر نصف شعبها، والإيرانيون يتوسعون فيها سراً، أما الأتراك فيريدون التوسع علناً! فهل تصرفهما إمبراطوري أم قومي؟
لا أدري ماذا تكون العبر والدروس من الحروب القومية من جانب الدول القوية أو التي تبدو كذلك. أما من جانبنا نحن العرب فالذي أراه أن الدولة الوطنية، دولة الاستقرار والتنمية والمواطنة، ينبغي أن تظل الواقع والمطمح ودون أوهامٍ بالتوسع ولا استضعاف تجاه الجوار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين الدولة القومية والدولة الوطنية بين الدولة القومية والدولة الوطنية



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt