توقيت القاهرة المحلي 23:09:45 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صفقة القرن... خريطة بالألوان الحقيقية

  مصر اليوم -

صفقة القرن خريطة بالألوان الحقيقية

بقلم - نبيل عمرو

تعيش الطبقة السياسية الفلسطينية حالة انتشاء وزهو إعلامي، من خلال قولها المتكرر بأنها أبعدت الأميركيين من عملية السلام، ووضعت صفقة القرن وراء الظهر، حتى أن كثيرين استخدموا عبارة «جعلناها تولد ميتة».

ولو أن صفقة القرن وجوداً وعدماً ترتبط بموافقة الفلسطينيين عليها أو رفضهم لها، لكان ما يقال صحيحاً، أما إذا كان الأمر أوسع من ذلك، وهو فعلاً كذلك، فإن صفقة القرن قد لا تحقق الحل الذي وعدت به، إلا أنها وضعت منذ الإعلان عن البدء في صياغتها موضع التطبيق.
ولكي نرى الصورة بمختلف ألوانها، فيتعين تحديد مواقف القوى المتصلة بالحل في الشرق الأوسط، وتحديداً المسار الفلسطيني الإسرائيلي، وفي أمر هذه الصفقة الكبرى، فإن ما ينبغي تحديده بدقة هو القدرات قبل المواقف.

أبدأ بإسرائيل... للدولة العبرية منهج ثابت في التعامل مع المبادرات السياسية التي تطرح لحل النزاع المزمن مع الفلسطينيين، فهي توافق على النص وتحقق ما تريد في التطبيق، ولمن نسي أذكّره بالموقف من أوسلو، ومن خطة خريطة الطريق التي قدمتها الرباعية الدولية باسم العالم كله، ونذكّر كذلك بجميع التفاهمات التي تمت خلال المسيرة التفاوضية الطويلة المباشرة وغير المباشرة مع رام الله وغزة... «تساهل في تمرير النص، وتطبيق صارم بعيد عن النص»، وهذا ما ستفعله؛ بل ما تفعله الآن، سواءً أعلنت صفقة القرن أم لم تعلن، وسيان إن رفضت أو قبلت، أو تم التحفظ على بنودها.

وقالت لنا التجربة مع أميركا إنها تقبل التحفظ على النصوص، ولكنها تعد الأطراف بمعالجة تحفظاتها على طاولة المفاوضات، وإذا كان المبتدأ في اللعبة الكبرى هو القدس، فمن يراقب ما يجري في إسرائيل لا يجد صعوبة في اكتشاف أن الدولة العبرية من معارضة أو موالاة، تتفق على اعتبار أن القدس قد آلت إليها أخيراً، والحديث يجري الآن ليس على أي تفاوض بشأنها، وإنما على كيفية استيعاب الكثافة السكانية الفلسطينية فيها، والمقصود هنا الجزء الذي لم يحسم بصورة تعاقدية، وهو الجزء التاريخي الأهم، الذي يضم المقدسات ومساحته داخل السور العثماني تبلغ كيلومتراً مربعاً واحداً، أما الكثافة السكانية خارج هذا المربع المقدس، وهي تقارب الثلاثمائة ألف نسمة، فتنهمك إسرائيل في دراسة خيارات وبدائل، تتعلق بهؤلاء السكان الكثيرين، منها إخراج أحياء من مجال القدس الموحدة، ليس لإعطائها للسلطة وإنما لإخضاعها إلى ترتيبات خاصة، تبعد السكان عن أن يكونوا جزءاً من العاصمة العبرية، ولكنها تحتفظ بالسيطرة المطلقة عليهم.

هذه لم تعد مجرد مخططات على الورق؛ بل هي قيد التنفيذ، بعضها تم اعتماده والبعض الآخر ينتظر الاعتماد من جانب الكنيست.

أمّا إكمال المعادلة، فقد مللنا من تكرار تعهدات نتنياهو بخلق واقع أمني واقتصادي وعمراني يجعل من قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً، غير أن ذلك لا يعني عدم اكتراث إسرائيل بصفقة القرن، فهي التي شاركت بصياغتها منذ البداية، وتراها تحقق مزايا باتجاهين؛ الأول فتح أبواب جديدة مع الدول العربية، والثاني تثبيت ما أخذت من الفلسطينيين؛ بحيث تصبح المطالبة بالقدس الشرقية مثلاً كالمطالبة بيافا وحيفا.

اللوم العربي ظاهر ومجسم على الخريطة، وهو تحديداً ما نحتاج لفهمه من خلال معرفة الفرق بين المواقف والقدرات، فالموقف العربي لن يخرج عن الجملة التقليدية: «نوافق على ما يوافق عليه الفلسطينيون، وندعمهم فيما يعترضون عليه»، وهذه جملة أحرجت الفلسطينيين منذ أن ولدت، ولكنهم أظهروا سعادة بها من خلال تكرار القول بأنهم أخذوا من القمم العربية كل ما طلبوا.

والسؤال: هل سيعيق هذا الموقف التقليدي عربة صفقة القرن الممتلئة بوقود أميركي وإسرائيلي؟ الجواب: ربما يعيق على صعيد التطبيع العلني الكامل والمباشر، أما غير ذلك فالقدرة لن تتجاوز هذا السقف.

وكذلك يظهر اللون الأوروبي على الخريطة، من خلال المواقف المبكرة التي انتقدت فيها دول القارة العجوز قرار ترمب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، غير أن الأمر يحتاج إلى تذكر الدور الأوروبي الذي فرض أميركياً، وتقيد الأوروبيون به حرفياً، لم يكن دوراً؛ بل وظيفة مزدوجة، هي ترويض الفلسطينيين تحت عنوان تأهيلهم لمواصلة الاعتدال، مع رقابة صارمة على أدائهم في التهيئة لبناء نظام وكيان، وكذلك الإنفاق على معظم تكاليف صفقة أوسلو، ومن أجل توفير بعض مصداقية لهذه الوظيفة، وإعطاء صفة الدور، كان الأميركيون يسمحون لمندوبي الأوروبيين بالمشاركة في بعض الأنشطة، وأفضل ما حصلوا عليه إشراكهم في إنتاج نصوص خطة خريطة الطريق التي تقوضت بقرار أميركي إسرائيلي، وتقوض معها التأثير الأوروبي في المعادلة.

سيكون الموقف الأوروبي من صفقة القرن إذا ما أعلنت، أنهم يتحفظون على أي أمر لم يتم التوصل إليه عبر التفاوض، ولكنهم سيرسلون من يهمس في أذن الفلسطينيين بأن يكونوا مرنين في أمر الرفض والقبول وفق منطق «ربي غالب».

أخيراً... يقع الفلسطينيون في قلب هذه الشبكة المنسوجة خيوطها بإحكام، وفق تواطؤ بين من يملكون القدرة ومن يملكون العجز، بين من يسلمون بالفاعلية القوية للتحالف الأميركي الإسرائيلي، ومن يرون من واجبهم منح الفلسطينيين مواقف تتفق مع رفضهم.

وسيجمع الفلسطينيون كالعادة كمية كبيرة من المواقف الداعمة، غير أن ذلك لن يخرجهم من الشبكة حين تطرح صفقة القرن ويعلن من يعلن رفضه لها، ويحقق ترمب وعده بإطلاق يد إسرائيل لتفعل ما تشاء، ساعتئذ لا يكفي القول: لقد ولدت الصفقة ميتة.

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صفقة القرن خريطة بالألوان الحقيقية صفقة القرن خريطة بالألوان الحقيقية



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt