توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

غزة معضلة دائمةٌ للجميع

  مصر اليوم -

غزة معضلة دائمةٌ للجميع

بقلم: نبيل عمرو

شهد الشرق الأوسط حروباً عديدة، إلا أنَّ الحرب على غزة كانت الأطول زمناً والأكثر ضحايا، والأبعد عن خلاصاتٍ تضع حداً لها، مثلما حدث في كل الحروب التي سبقتها. وكذلك فهي أضيق ساحات القتال مساحة.

غزة معضلةٌ شديدة الوطأة على أهلها أولاً، الذين صار الموت اليومي نمط حياتهم، والمجاعة بلاءً عاماً، وموت الأطفال مجرد أرقامٍ تُذكر في الأخبار. وهي كذلك معضلةٌ بالنسبة للفلسطينيين جميعاً، حتى لو كانت حياتهم خارج غزة، تبدو في ظاهرها عاديةً، ذلك أن حاضرهم ومستقبلهم ارتبطا بمآلات الحرب على غزة، ليس فقط فيما يتصل بالحلول السياسية التي يتطلع إليها الفلسطينيون التي ما تزال بعيدة، بل بما يمكن أن يحدث للضفة في اليوم التالي للحرب، وكيفية الاستثمار الإسرائيلي لما تحقق في غزة.

وهي معضلةٌ للعرب القريبين والبعيدين، ذلك لارتباطها بمسألة التهجير ليس منها فقط، بل ومن الضفة، ومع الصد المصري والأردني الفعّال للمسألة، فإن ما هو حاصلٌ في الضفة وغزة، هو أن هدفاً اسرائيلياً يجري العمل على تحقيقه، وهو جعل الحياة في المكانين مستحيلة، مما يجعل مسألة التهجير قسرياً أو طوعياً باقيةً على جدول الأعمال.

وغزة معضلة للعالم، رسمياً وشعبياً، سياسياً وأخلاقياً، فما يجري تحت سمع وبصر الكون كله، هي حرب إبادة صريحة، تؤديها دولةٌ محسوبةٌ منذ نشأتها وإلى ما لا نهاية على الغرب، الذي ينتج ويصدّر بضاعة حقوق الإنسان، ويضعها أساساً لسياساته، وحيال هذا التنكيل المنهجي بأبسط الحقوق الإنسانية، يقف الجميع عاجزاً عن ممارسة أخلاقياته ما دامت إسرائيل هي من ينتهكها.

وغزة معضلة للأميركيين، ولأجندة ترمب المكتظة بالوعود الإنسانية والحضارية والأخلاقية، والتبشير بعالمٍ جديد فإذا بغزة المدمرة يجري التعامل معها كمشروعٍ سياحي، يشترط كي يكون مجدياً تهجير ملايينها جميعاً إلى أي مكان يقبل بهم وإذا ما تعذّر الأمر لأسبابٍ لوجيستية فقط فبديله المؤقت هو المشروع الإسرائيلي المسمى المدن الإنسانية، التي سيحشر فيها مئات آلاف الغزيين في خيامٍ أو بيوتٍ مؤقتة ضمن ترتيبات سجن واسع المساحة، يماثل منظومة السجون الإسرائيلية المغلقة المنتشرة على جغرافية الدولة العبرية وما تحتل من أراضٍ في الضفة.

وحين نقول إنها معضلةٌ أميركية، فالأمر ليس فقط بحكم العلاقة الخاصة بين إسرائيل وأميركا، بل بإظهار عجز الدولة العظمى عن وقف الحرب على أصغر مساحة قتالٍ عرفها العالم، ما يؤكد عجزاً أكبر وأفدح لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يفترض أن يتطور وفق الأدبيات الأميركية إلى مشروع العالم الجديد كذلك.

وما هو معضلةٌ بالنسبة لأميركا هو كذلك بالنسبة للمدللة إسرائيل، التي تعيش ازدواجية مرهقة، ولكن صنّاع القرار فيها يتجاهلون، هي ازدواجية الألم من الحرب وخسائرها البشرية وتكاليفها الباهظة، والنشوة الساذجة بما يعدونه إنجازاتٍ خارقة حققتها آلتهم العسكرية التي تطير في فضاءٍ مواتٍ، وتضرب أناساً ومنشآت اقتصادية وبنىً تحتية في أماكن قريبة وبعيدة، وما إن يبدأ الشعور بالألم حتى يبدأ استصراخ أميركا والعالم للتدخل لوضع النقطة آخر السطر.

غزة الآن هي بالفعل معضلةٌ للجميع، غير أنَّ المعضلة الكبرى سوف تظهر في اليوم التالي، حين تتوقف الحرب ويجد العالم نفسه وجهاً لوجه أمام آثارها والأسئلة الكبرى التي أثارتها، وحول هذ اليوم لا إجابات ولو تقريبية على كيفية معالجتها، ليس لحكمةٍ أو دهاء لدى المشتبكين في معضلة غزة، بل لأن أحداً منهم لا يعرف على وجه الدقة كيف ستنتهي الحرب، وكل الذي يقال في هذا الأمر هو مجرد استنتاجاتٍ لا صلة لها بالمجهول الذي لا يُعرف عن اليوم التالي.

معضلة غزة لها حلٌ واحد ينكره الإسرائيليون، ولا يتبناه الأميركيون مع أنهم أكثر من يعرفه، وهو تسويةٌ شاملة، وليس معالجاتٍ بالقطعة لنتائج المعضلة دون الذهاب إلى جذرها، وحين تكرسّت غزة وما أفضت إليه من حروبٍ ومعضلات كنموذجٍ مختزلٍ للقضية الفلسطينية الأم ولامتداداتها، وتأثيرها في الإقليم والعالم، فليس غير تسويةٍ شاملةٍ من يعالج بفاعليةٍ هذه المعضلة وإن لم يحدث ذلك فمفاعل إنتاج المعضلات والحروب سيظل يعمل، وسيصبح الشرق الأوسط الجديد كالقديم، ينتقل من حربٍ إلى أخرى وهكذا...

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

غزة معضلة دائمةٌ للجميع غزة معضلة دائمةٌ للجميع



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt