توقيت القاهرة المحلي 15:38:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحكومة التاسعة عشرة وتجربة عباس وعرفات

  مصر اليوم -

الحكومة التاسعة عشرة وتجربة عباس وعرفات

بقلم - نبيل عمرو

أعود بالذاكرة إلى الحكومة الأولى التي كُلّف محمود عباس بتشكيلها في عهد الراحل ياسر عرفات، الذي قبِل الفكرة على مضض، وأضمر أن يقوّضها، وهذا ما فعله في مدة زمنية لم تتجاوز 4 أشهر.

وُلدت فكرة الحكومة المستقلة عن عرفات من خلال تقدير ثبت بطلانُه، وهو أن قائدَ الثورة لا يصلح لقيادة تسوية محرجة، وأنَّ الرجلَ الذي يعتمر الكوفية ولا يفارق المسدس خصره، ولم ينزع لباس الحرب ولو ساعة واحدة، لن يكون قادراً على التكيف مع سيناريوهات لتسوية بدت صغيرة عليه وعلى ثقافته وتطلعاته.

وعندما درس عرّابو التسوية حالتَه، وتجذُّر مكانته ونفوذه وفاعليته في الحالة الفلسطينية قرروا فصل مهمات السلطة عن المهمات الأوسع التي تتولاها منظمة التحرير، وبوصفه خطوة أولى جرى تقسيم المسؤوليات بين رئيس المنظمة مع احتفاظه بمسمياته جميعاً وبين رئيس الحكومة الذي سيتولى ووزراؤه المهام الإدارية.

ومنذ الأيام الأولى لبداية التجربة، بدا جلياً أنها لن تنجح، وكان المَخرج منها قد ابتدعه ياسر عرفات، وهو أن تبقى الحكومة ورئيسها إرضاءً للعالم، ولكن تحت سيطرته المطلقة، وهذا ما كان إلى أن توفاه الله.

ومنذ الحكومة التي جاءت بعد استقالة عباس تحول رئيس الوزراء إلى موظف منضبط للرئيس الأعلى، ولقد جرى الاحتفاظ بكل الطقوس التي توصف بالدستورية كي تَدَّثِرَ بها الحكومة، وترتدي من خلالها ثوب الشرعية.

لم يرث عباس عن سلفه عرفات رئاسة السلطة والمنظمة فحسب، بل ورث كذلك صيغة العلاقة بينه بوصفه رئيساً وبين رئيس الوزراء الذي يعيّنه، ويملك تثبيته أو خلعه إذا ما قرر ذلك.

الرئيس عباس لم ولن ينسى مرارة المعاناة التي كابدها حين قرر العالم اقتطاع «ولو عقال بعير من صلاحيات ياسر عرفات وإعطاءه إياه». ومع أنه كان الرجل الثاني في تراتبية المنظمة والثاني في الإطار التاريخي الأقرب إلى القداسة في «فتح»، مضافاً إلى ذلك كله، الدور الأهم في إدارة تجربة أوسلو، فقد عرف عباس أنه لا فاعلية لرئيس إذا ما وُجد رئيس حكومة ذو صلاحيات حقيقية إلى جانبه، فحذا حذو عرفات في التعامل مع رئيس الحكومة الذي مهما بلغ من مهارات وكفاءات يظل رازحاً تحت هاجس الإقالة في أي وقت دون ضوابط دستورية تحميه.

لقد شكَّل عباس حكومات عديدة بمرسوم، وإذا ظهر أن رئيس حكومة تجاوز فإنَّ إقالته لا تكلف أكثر من الحبر الذي تكتب به.

الدكتور محمد مصطفى الذي كُلِّف تشكيلَ حكومة بعد أن ازدادت الأصوات الداعية إلى إصلاح السلطة وأعلاها بالطبع الصوت الأميركي يمتلك مؤهلين رئيسيين، الأول وهو الأهم أنه يحظى بثقة عباس وهي ثقة مجربة حيثما حل الرجل أو ارتحل، والثاني مهني فهو الأكثر تأهيلاً في المجال الاقتصادي إذا ما قيس الأمر برجالات السلطة والمنظمة، غير أن هذين المؤهلين ربما يكونان عبئاً عليه أكثر مما هما ميزة له، إذ ليس بوسعه تقديم نفسه بوصفه زعيماً إصلاحياً، ما دام هو في واقع الأمر امتداداً لرئيسه، فالرجل شغل منصب نائب رئيس الوزراء ومع احتفاظه بالمسمى لفترة، إلا أنه لم يمارسه ولو ساعة واحدة.

الرجل ابتعد كثيراً عن الاستعراض السياسي والإعلامي، على عكس أسلافه الذين تعاملوا مع الإعلام بمواظبة يومية، وأحياناً لأكثر من مرة في اليوم الواحد، رجل كهذا يستحق أن يُشفق عليه؛ إذ كلّف مهمةً سياسية بالغة التعقيد تحت مسمى فني بالغ السطحية، ونُقل من الظل إلى النور المبهر، وكُلّف بأربع مهام الواحدة منها تهد الجبال، وتُفشل أقوى رجالات الدولة ليس في فلسطين التي لا تزال بلا دولة، وإنما على مستوى دول عظمى!

كُلّف الرجل توحيدَ الوطن... غزة والضفة، ذلك بعد 18 عاماً من فشل غيره.

وكُلّف إدارةَ عمليات الإغاثة في غزة، والرجل ممنوع عليه الظهور في المكان.

وكُلّف بقيادة عملية إعادة الإعمار التي لا يُعرف متى تبدأ وكيف سيجري جمع المال اللازم لها، ووفق تقديرات الخبراء سيصل إلى 90 مليار دولار.

وكُلّف كذلك بإصلاح مؤسسات السلطة بعد سنوات طويلة من إهمالها وفقرها وضعف بناها وقدراتها، بفعل تغليب اعتبارات الولاء الفصائلي.

منذ شُكّلت أول حكومة فلسطينية، ويا لها من مصادفة أن يكون رئيسها محمود عباس وإلى الحكومة التي يجري تشكيلها تحت الرقم 19، وفي غياب برلمان يمنح الثقة أو يحجبها ويسائل ويحاسب، فأي حكومة تولد في ظرف كهذا سواء دعمها الأميركيون أو تحفظوا عليها أو دعمها كل المتوغلين في الشأن الفلسطيني والشرق أوسطي أو لم يفعلوا، سيظل القول الفصل في تقويمها للفلسطينيين أولاً، الذين يعيشون حالة كارثية في غزة وحالة مشابهة وإن بصورة مختلفة في الضفة.

هؤلاء الفلسطينيون الذي صبروا على 18 حكومة سبقت، وصبروا على طبقة سياسية تواصل انقسامها وانعزالها وفشلها، هؤلاء الفلسطينيون هم وحدهم من يمنحون الحكومة شهادة نجاح أو فشل، وكل ما نتحدث عنه من محاذير هو مجرد استنتاجات مشتقة من صعوبة الواقع ومن نتائج التجارب السابقة ووقائع الحاضر الصعب.

وإن شئنا أو أبينا فستأخذ الحكومة فرصتها، ولن نحتاج إلى وقت طويل حتى نعرف ما حققت وما أخفقت.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحكومة التاسعة عشرة وتجربة عباس وعرفات الحكومة التاسعة عشرة وتجربة عباس وعرفات



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt