توقيت القاهرة المحلي 23:56:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

احترامُ جلال الموت

  مصر اليوم -

احترامُ جلال الموت

بقلم: فاطمة ناعوت

أعلنُ عظيمَ غضبى من كل صغير النفس حاول إفساد دفاتر العزاء الجميلة التى دشّنها الطيبون على صفحاتهم فى رحيل الفنان الأجمل والأطيب الأستاذ «لطفى لبيب»، الذى حصد قلوب مئات الملايين من جماهيره محليًا وعربيًّا. كان على أولئك المراهقين فكريًّا أن يشهدوا الحشودَ الغفيرة، من كبار الشخصيات العامة والأدباء والإعلاميين والفنانين والأصدقاء، التى جاءت الكنيسة لتشييع الراحل الكبير ومواساة زوجته الجميلة وزهراته الثلاث، لا ليعرفوا حجمَ التوقير الذى استحقّه الفنان والمناضل «لطفى لبيب»، بل ليدركوا حجم ضآلتهم وضحالة عقولهم.

دُشِّنت صفحاتُ عزاء لا حصر لها لتوديع الفقيد الجميل، ودخل الناسُ بالملايين لذكر مآثر الراحل الذى شارك فى حرب أكتوبر المجيدة واضعًا روحَه فداءَ الوطن، وبلغ من الوطنية أن رفض تكريم إسرائيل له بعد أدائه المدهش فى فيلم «السفارة فى العمارة». وذكر عديد الفنانين أياديه البيضاء عليهم فى بداياتهم لئلا يتعثروا، وذكر آخرون كيف ساعدهم ماديًّا، وقال بعضُهم إنهم تمكنوا من أداء الحج بمساعدة هذا الرجل، الذى اتفق القاصى والدانى على نُبله وتحضّره، وعلى ابتسامته الشهيرة المطْمَئِنَة والمُطَمْئِنة التى لم تفارقه لا فى مرضه وفى لحظات ألمه وحتى غادرنا فى هدوء وسكينة إلى رحاب الله. دخل الشرفاءُ الصفحاتِ لتوديع الراحل والترحّم عليه، فاندسّ اللؤماء لإفساد ذلك العُرس التأبينى المهيب وتعكير صفو النهر بدنس أرواحهم: يسبّون ويُكفّرون ويلعنون كلَّ مَن ترحّم وكلَّ مَن واسى! لم يطلب منهم أحدٌ أن يترحّموا. كان يكفينا أن يصمتوا، فصمتُ الظالم عبادة. لكن هيهات أن يصمتوا ودورهم فى الحياة نفثُ السموم فى الهواء لإفساد نقائه وإيلام القلوب؟!! فإذا كان تكفيرهم للراحل قد آلمنا نحن أصدقاءه، فهل بوسعكم تخيُّل مدى ألم زوجته وبناته؟!

متى تحولنا إلى وحوش ضارية تتلذذ بنهش فرائسها؟ نحن المصريين العظماء الذين تربينا فى حضن وطن عظيم علّمنا أن احترام عقائد الغير جزءٌ لا يتجزأ من احترام عقائدنا؟ فى هذا الوطن نشأ صديقان خالدان، أحدهما اسمه «نجيب الريحانى»، والآخر اسمه «بديع خيرى»، صنعا معًا أعظم القطع الفنية التى تزهو بها مصرُ. عاشا صديقين أكثرَ من نصف قرن، ولم يعرف أحدُهما، ولا عرف الناسُ أن أحدهما كان مسلمًا والآخر مسيحيًا إلا فى لحظات العزاء! فماذا حدث فى «كودنا» الأخلاقى لنغدو هكذا، ونشهد أولئك الذين ينتظرون رحيل القامات والرموز المسيحية لكى يتنمروا ويتباذأوا؟!. لماذا بات علىّ فى كل بوست أو مقال عن رحيل رمز مسيحى من رموز العلم أو الفن أو السياسة أن أضع مناشدةً تتصاعد لتغدو مطالبةً ثم تحذيرًا بالحظر من الصفحة، لكل مَن يتطاول على عقيدة الفقيد ويتنمر على شخصه ويلعنه ويكفره، ثم يتمم نطاعته بأن يحظر علينا الترحم عليه، شامتًا شاتمًا لاعنًا مُكفّرًا كلَّ مسلم يطلب لروحه السلام ولقلبه الرحمة؟! ألا يعرفون أن للموت جلالاً وقداسة على الجميع توقيرها؟! ألا يدركون أن أسرة الفقيد تكون فى حالة من الهشاشة النفسية بحيث لا تتحمل مزيدًا من الوجع والإيلام؟!

أصبح شيئا مزعجًا لا يُطاق! فى الأعياد، يحرّمون علينا معايدة أشقائنا المسيحيين! وفى لحظات المرض يحرمون علينا تمنى الشفاء إلا للمسلمين! وفى لحظات الرحيل يحرّمون علينا مواساتهم والترحم على موتاهم! ألا خسئوا وبئس ما يصنعون! الجماعات الإرهابية حاولت تمزيقَ وحدة المصريين وشق الصف بين المسلمين والمسيحيين، ونجحنا فى دحرهم والقضاء عليهم، لكنهم تركوا أذنابهم ترعى فى صفحات التواصل الاجتماعى يمارسون إرهابهم المعنوى واغتيالاتهم الأدبية! وعلينا مواجهة هذه الظاهرة المريضة بكل قوة وحسم. لأن قتل الروح لا يقلُّ خسّةً عن قتل البدن.

ولأن الرخص لا يتوقف عند خطٍّ ولا يحدُّه قاع، فإن المزايدين الذين لا يحترمون للموت جلالًا ولا للحظة الوداع إكبارًا؛ لا تقف نطاعتُهم عند تكفير الموتى وتحريم الترحُّم عليهم، وحصر تمنى الشفاء إلا لمرضى المسلمين، بل تجاوزوا للسخرية من كبار السن! فهذا عجوزٌ وتلك شمطاءُ؛ وكأن الناسَ يأخذون من أعمارهم ليكبروا! منذ متى صرنا نتنمَّرُ على العقيدة والمرض والموت والأعمار؟! منذ متى والمصريون قد تخلّوا عن «الكود الأخلاقى» هكذا؟! فى أى بيئة نشأ أولئك المتنطعون؟! وعلى يد أى «دَعِىٍّ» مخادعٍ تربّوا فحجب عنهم قولَه تعالى: «وإن كنتَ فظَّا غليظَ القلب لانفضّوا من حولك»؟ نحن لا نطلبُ منهم الارتقاء إذْ القاعُ امتلأ؛ فأغلبُ الظن لن يرتقوا؛ ولن نطمحَ أن يطلبوا، مثلنا، الشفاءَ لجميع المرضى، والرحمةَ لجميع الموتى، فعلى قلوبهم أقفالُها. فقط نطلبُ كفَّ ألسنهم الطولى، والانشغالَ بأمورهم عنّا، والبحث عن عوراتهم وسوءاتهم ليُخفوها عن أنظارنا! نرجوهم أن يتحلّوا بشىء من «الكرامة» ويتركونا فى أحزاننا على الراحلين: نواسى بعضنا ونناجى الرحمنَ أن يرحمنا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

احترامُ جلال الموت احترامُ جلال الموت



GMT 06:21 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

نصف قرن على ماو

GMT 06:19 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

حرب واحدة من اليمن... إلى العراق

GMT 06:16 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العرب ومقعد دائم في مجلس الأمن

GMT 06:07 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

الأميرة ديانا... ومتحف القدَر

GMT 06:03 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

التغير السياسي والتغير الثقافي والزمن الحاضر

GMT 06:01 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

هل يكتسح اليمين المتطرف أوروبا عام 2027!

GMT 05:58 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

العراق يحصل على «نعم ولكن» من أوروبا

GMT 05:56 2026 الجمعة ,18 أيلول / سبتمبر

«حزب الله»: دفاعاً عن السردية أم أزمة خطاب؟

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - ناسا تكتشف فوهة ضخمة حديثة التكوين على سطح القمر

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt