توقيت القاهرة المحلي 09:37:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المعلّمة الجميلة!

  مصر اليوم -

المعلّمة الجميلة

بقلم: فاطمة ناعوت

تذكّرتُ الأغنية الشهيرة التى كتبها وغناها «ليونارد كوهين» ويقول فيها: There›s a Crack in everything، that›s how the Light gets in. فلولا الشقوق فى الجدار، وفى الحياة كذلك، ما تسلل النورُ إلى عيوننا وأرواحنا.

هذا المقال أكتبه لأقدّم التحية لمعلمات محترمات أدركن المعنى الحقيقى لمهمّة التعليم والتربية، وأقول «مُهمّة» لا «مِهنة»؛ لأنها رسالةٌ ثقيلة ترقى إلى رسالات الرُّسل، لا محض وظيفة يؤديها المرءُ ليتقاضى عليها أجرًا.

فيديو قصير صادفنى كنسمةٍ حلوة وسط صحراء العالم، عن معلّمةُ أخرجت تلميذًا صغيرًا من الفصل، ثم انفتح أمامَه بابُ الحب. دخل القاعة المجاورة ليجد زملاءه يحيطونه بالشموع ويغنّون أغنية عيد الميلاد، وفى خلفية المشهد تقف المعلمة تحمل التورتة عليها اسمُه. هكذا رتّب الجمعُ الطيب لهذا الطفل اليتيم «لحظة أمومة» لم يعشها منذ رحلت أمُّه عن العالم. اختارت المعلمة أن تأخذ مكان الأم الغائبة، ولو لدقائق منزوعة من يوم دراسى، لتملأ بالنور تلك الشقوق التى تكوّنت فى قلب الطفل اليتيم. التعليم قد يكون وظيفة، أمّا التربية فهى رسالةُ استدعاءٌ للرحمة من أعماق القلب لتصنع هالةً من النور فوق رؤوس الصغار.

ومن يَنَل الرحمةَ فى طفولته، من العسير أن يضنَّ بها على الناس حين يكبر. ذلك الصبى لن ينسى هذا اليوم. قد ينسى جملةً نحوية أو معادلة حسابية، لكنه لن ينسى أنّ امرأةً واحدة جعلته يشعر أنّ العالم ليس مكانًا عدائيًا، بل ساحةٌ للحب والحنوّ. تلك الذكرى الصغيرة ستُنبت داخله رجلاً نبيلا، يعرف كيف يمدّ يده فى مقبل الأيام إلى طفلٍ آخر، وكيف يضيء شمعةً فى عتمةٍ مماثلة.

ليتنى أعرفُ اسم هذه المعلمة أو جنسيتها، لكننى أحيّى فى شخصها كلّ من يشبهها من عظماء التعليم. ومن عمق التاريخ نستدعى «آنا سوليفان»، التى لم تكتفِ بتعليم الطفلة الكفيفة الصمّاء «هيلين كيلر» القراءة والحساب والفيزياء، بل علّمت العالمَ بأسره أن «النور» يُرى ولو فُقد البصر، لأنه يبحث عن الشقوق والصدوع والكسور لكى يتسلل وينساب مثل جداول رقراقة من البهاء النقى.

ومن الريف المصرى فى مطلع القرن الماضى، نستدعى أسماءً سبقت الطريق إلى تعليم البنات ودفعت كُلفة التغيير من أعصابها وسمعتها ودموعها فى زمن كان يرى تعليم البنات مَعّرةً وهوانًا. «عائشة التيمورية» رفعت فى نهايات القرن التاسع عشر شعار: العلم للمرأة، وتلحقها «زينب فواز» بقلمٍ شرس يفضح التجهيل ويؤرخ لسِيَر العالمات، ثم «ملك حفنى ناصف» فى بدايات القرن العشرين ثم «نبوية موسى»، التى حولت الفكرة إلى حركة مؤسسية وفتحت أبواب مدارس البنات على مصاريعها. أولئك الرائدات العظيمات لم يطرقن أبواب البيوت المعتمة وحسب، بل طرقن أبواب العقل، لكى يصير الحرفُ حقًّا اجتماعيًا معلنًا، بعدما كان سرًّا تبوح به البنات لبعضهنّ تحت ضوء مصباح كيروسين، وتخفيه عن الألسن التى تخشى من نور المعرفة.

ومن صفحات التاريخ تتلألأ أسماءٌ ناصعةٌ حملت مشاعل التعليم كقبسٍ من ضوء الخليقة. فهذه اليابانية «آنّا بورى» التى جابت قُرى الريف اليابانى بعد الحرب العالمية الثانية، تُعلّم الأطفال تحت السقوفٍ المهدّمة؛ لأن المعرفة عندها أسبق من السكن. و«مارى ماكلويد بيثون» التى أسست عشرات المدارس للملونين فى أمريكا، مؤمنةً بأن العدالة تبدأ من مقعدٍ صغير فى فصلٍ، وخُلّد اسمها فى نُصب تذكارى فى واشنطن. وفى الهند نذكر «سابيتريباى فولى»، أول معلّمة تُناضل لتعليم الفتيات الفقيرات عام ١٨٤٨ وتعرّضت للبصق والسباب من الطبقات العليا، التى كانت آنذاك تحتقر الطبقات الدنيا وتنبذها.

ومن مصر الراهنة، لابد أن نتذكّر المعلمة المسيحية الجميلة التى منعت الغشَّ فى لجنة الامتحان، ولا أريد أن ألوّث ضوء هذا المقال بسرد تفاصيل ما فعلته بعض الأمهات الغافلات حين اعتدين عليها لفظيًّا وجسديًّا، بل وسببن دينها بألفاظ منحطّة رقيعة. ولولا تدخّل الأمن لفتكن بها. وكم كنتُ أرجو أن تُكرَّم هذه المعلمة المحترمة من وزير التعليم شخصيًّا ويُردُّ لها اعتبارها إعلاميًّا، وأن تُحاكم الأمهاتُ المعتديات بتهمتين. الأولى: التعدى على موظف محترم أثناء تأدية وظيفته، والثانية بموجب المادة: ٩٨ (و) المعروفة بـ: «ازدراء الأديان»، التى يُلاحق بها المفكرون دون سبب! وطالبتُ بهذا فى «منتدى القيادات النسائية»، ورحّبت العضواتُ، ولكن شيئًا لم يحدث بكل أسف. وليتنى أعرف اسمَ المعلمة الجميلة لأعتذرَ لها وأرسلَ باقة زهور.

نماذجُ متباعدة فى الجغرافيا، متقاربة فى الروح: معلّماتٌ فهمن أن الحرفَ ثورة، وأن النور صنوُ النبل والقيم. ليت المعلّمين يدركون أن الطفل ليس رقمًا فى كشف الحضور، ولا رأسًا فارغًا نحشوه بالمعلومات ليسكبها فى ورقة الامتحان ثم ينساها. بل هو كوكبٌ صغير يحتاج من يلمّع نوره، لا من يطفئه بالقسوة والتجهيل ونزع القيم من الضمير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المعلّمة الجميلة المعلّمة الجميلة



GMT 09:37 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

من أجل المريض المصري.. أوقفوا هذا العبث

GMT 09:35 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ستضرب الولايات المتحدة إيران؟

GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

مصر وتركيا

GMT 09:29 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:27 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:14 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:10 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
  مصر اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt