توقيت القاهرة المحلي 07:29:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أم كلثوم».. المسرحُ فى أَوجِه

  مصر اليوم -

«أم كلثوم» المسرحُ فى أَوجِه

بقلم: فاطمة ناعوت

صبىُّ يجلس على شط الترعة يُغنّى، يصير مع الأيام «عبد الحليم حافظ». طفلةٌ تُنشدُ فى الموالد تغدو مع السنوات «أم كلثوم». تلميذٌ يذاكر على مصباح الشارع، يصبح «أحمد زويل». هكذا قال الشاعر المُلهَم د. «مدحت العدل»، ليحكى كيف تغزل مصرُ أمجادَها على نول الزمن، بهدوء وتروٍّ، مثلما شيدت أهرامَها حجرًا فى إثر حجر. قالها وهو يقدّم فريقَ العرض المسرحى المدهش «أم كلثوم- دايبين فى صوت الست» الذى يُقدّم الآن على مسرح موفنبيك مدينة الإنتاج الإعلامى. وجوه جديدة معظمها يقف على خشبة المسرح للمرة الأولى، تم اختيارهم بدقّة ليجمعوا بين حلاوة الصوت وموهبة الأداء المسرحى العسِر. هذا الرهان الجسور يحملُ أكثرَ من رسالة. أولا: إيمان مؤلف العرض ومنتجه الشاعر «مدحت العدل» أن مصرَ لم تتوقف منذ ميلادها قبل آلاف السنين عن إنجاب المواهب، ومن ثَم علينا أن نتوقّع المزيد من «أم كلثوم» فى مقبل الأيام من مواهب العرض الشابّة، وثانيًا: ألا يتكئ العرضُ الجميل على نجومية قامات مضيئة بذاتها، بل ينبعثُ الضوءُ من العمل عبر تأليف أنيق وإخراج مدهش ومواهب تمثيلية وصوتية واستعراضية لافتة، وإنتاج مبهر ينافس معايير «برودواى» العالمية فى فن السينوغرافيا.


«مدحت العدل»، صديقى المنشغل بحقيقة أن الفن الرفيع هو «طوق النجاة» من الكبوات الأخلاقية التى تضربُ المجتمعات، أراد أن يربط جيل «ألفا» بخوالد التاريخ فى بلاده، فاختار شخصية «أم كلثوم»، التى لم تكن صوتَ مصرَ الخالدَ وحسب، بل كانت رحلة مهمة من تاريخ مصر الفنى والسياسى والإنسانى. لم يقدّم العرضُ ما نعرفه عن «أم كلثوم» من حفلاتٍ ومواقفَ ومحطات، بل قدّم «الإنسانَ» الذى يسكن «أم كلثوم» بأحلامه وانكساراته، بانتصاراته وإخفاقاته، بأفراحه وأوجاعه، بشموخه وخفّة ظله. بعد صوت «جلال معوّض» الشهير يقدّم لنا «الست»، نراها فى غرفة الاستراحة أمام مرآتها تنظرُ إلى حاضرها الماجد، فيظهرُ على صفحة المرآة أمسُها الفقير: الطفلة التى تجوب الموالد مع والدها متخفيةً فى عقال الصِّبيان، إذ كيف تشدو فتاةٌ؟!، تخرج من الغرفة طفلةً يلتقطُ نبرةَ صوتها الملحنُ الذكى الشيخ «أبو العلا محمد»، الذى نَدينُ له بـ«ذوباننا فى صوت الست»، حين راهن عليها وجعلها تشرقُ فى سماء القاهرة، ومن ثم فى سموات العالم والتاريخ.

المدهشُ فى العرض الغنائى أنه مباراةٌ بين أصواتٍ عظيمة تسكنُ وجوهٍ جديدة. «أم كلثوم» الطفلة التى تتلمّس طريقَها نحو المجد بسرعة الشهب؛ هى الصغيرة «ملك أحمد» بصوتها القوى، وكبيرةً هى الشابّة «أسماء الجمل» بصوتها الساحر وأدائها الشامخ الذى حاكت فيه «أم كلثوم» بشخصيتها الواثقة. ثم توالى العظماءُ الذين ساهموا فى غزل الأسطورة: «محمد القصبجى، أحمد رامى، رياض السنباطى، بليغ حمدى، محمد عبدالوهاب، محمد فوزى». وكنتُ أرجو ألا يُغفل الموسيقارُ العظيم «محمد الموجى» الذى لحّن لها عديد الأغنيات دُرّةُ تاجِها: «حانة الأقدار»، ليكتملَ العطرُ. وساهم فى صناعة الإبهار ديكور «محمود صبرى»، وإضاءة «ياسر شعلان»، وملابس «ريم العدل».

المخرج الشاب «أحمد فؤاد» الذى درس الفلسفة والنقد والإخراج، وابتُعث فى روما ليتعلّم ويخرج، لا يتوقف عن إبهارنا فى كل عمل يقدمه. قدّم لنا العام الماضى مسرحية «النقطة العميا» عن رواية «العطل» لـ«فريدريش دورنمات»، وكتبتُ عنه يومها مقالا بعنوان: «المسرحُ فى تمامِه»، إذ نجح فى عبقرية إخراجية أن ينقل على خشبة غرفة صغيرة لا تتجاوز الأمتار الخمسة، عالمَ «دورنمات» الموحشَ المعقّد الذى يُحاكم البشرَ على خطاياهم الخفية التى لا يرونها ولا يراها الناسُ، واليوم على خشبة هذا المسرح الضخم الفخم يعيد إبهارَنا بنقلنا إلى عوالم «أم كلثوم» وكواليسها الإنسانية، فيختصرُ لنا فى ١٨٠ دقيقة أسطورةَ سبعين عامًا من المجد والمواجع.


من التيمات الراقية فى العرض هو عدم الجَور على خصوم «أم كلثوم» ومنافسيها طمعًا فى «أسطرة» الست. بل جعل المعارك بين أندادٍ عظام. «منيرة المهدية»، التى قدمتها «ليديا لوتشيانو» بصوتها المدهش، و«عبد الوهاب» الذى قدّمه بعذوبة الفنان «أحمد على الحجار». التصميم البصرى للمعارك كان ذكيًّا وموحيًا حاشدًا بالرمزية. عراك الست مع «منيرة» كان رأسيًّا؛ ليرمز إلى أفول القديم ليُفسح الطريقَ للجديد، بينما معركتها الطريفة مع «عبد الوهاب» أفقية، لأنهما نِدّان متجايلان، أو هرمان متناحران قررا أخيرًا أن يصنعا معًا صرحًا جديدًا بطعم جديد.

والحقُّ أن كل مشهد من العرض يحمل رمزيةً ورسالةً وفكرة، وهذا أحد أسرار نجاح هذا العرض العظيم الذى أرجو أن يجوب العالم ليقول إن مصرَ التى صنعت الحضارة فى فجر التاريخ، مازالت تصنع مجدَها الحاضرَ على نحو أصيل ومعاصر فى آن. وليس أجمل من كلمة: «يا حبيبى» بصوت الست خاتمةً للعرض، وكأنها تقولها للمبدع «مدحت العدل» ورفاقه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أم كلثوم» المسرحُ فى أَوجِه «أم كلثوم» المسرحُ فى أَوجِه



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt