توقيت القاهرة المحلي 17:32:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نجيب محفوظ.. العصىُّ على الغياب

  مصر اليوم -

نجيب محفوظ العصىُّ على الغياب

بقلم: فاطمة ناعوت

فى أحد لقاءاتنا بالخالد «نجيب محفوظ» عام ٢٠٠٣، وفى ڤيلا الدكتور «يحيى الرخاوى» بحى المقطم، مِلتُ نحوه وهمستُ بسؤال: «أستاذ نجيب، هل تذكر اسم طاعنك؟»، فابتسم بوهنٍ وحرك رأسَه دلالة النفى، ثم همس لى: «لكننى سامحته!».. هكذا العمالقةُ أمام الصغار. الكبارُ يغفرون للصغار طيشَهم وحماقاتِهم؛ لأنهم يدركون أن الصغارَ لا يعلمون ماذا يفعلون.ونحن كذلك لا نذكر اسم المجرمَيْن اللذين طعنا عنق «نجيب محفوظ»، لكننا نعرفُ «نجيب محفوظ» العصىُّ على النسيان. ولا نعرف اسم قاتل شاعر العرب أبى الطيب المتنبى، لكننا نعرفُ «المتنبى»، لأن قصائده تملأ الدنيا ولا يخبو جمالُها مع القرون. ولا نعرفُ اسم الأُمى الذى اغتال «فرج فودة»، لكننا نعرفُ جيدًا «د. فرج فودة»، لأن مشعله لا يزال وهاجًا وسيظل. نحن لا نعرفُ اسمَ قاتل عالمة الذرّة المصرية النابغة «سميرة موسى» فى أحد وديان أمريكا الموحشة، لكننا نعرف من هى «سميرة موسى» وما كانت ستؤديه لمصر لو لم تغتلها يدُ الموساد الآثمة وهى فى وهج جمالها. نحن لا نعرفُ اسم الكاهن الذى كفّر جاليليو وحكم عليه بالموت، لكننا نعرف «جاليليو جاليلى» وكشوفاته المدهشة فى علوم الفلك والفيزياء. نحن لا نذكر اسم شانق «عمر المختار»، المناضل الليبى النبيل، لكننا نعرف «عمر المختار» ونذكر مقولته: «سيكون عمرى أطول من عمر شانقى». هل يعرف أحدكم اسم صالب «الحلاج»، أو قاتل «السهروردى»، أو من سحل «هيباثيا» من جدائلها، والذين كفّروا «ابن عربى» و«ابن الفارض» و«ابن رشد» و«ابن المقفع» و«لسان الدين الخطيب» و«نصر حامد أبوزيد» و«طه حسين».. وغيرهم المئات من نوابغ العالم وعظماء التاريخ؟!.. لا، إنما نعرف تلك الرموز التى لا يخبو ضوؤها، وأما قاتلوهم الخاملون، فمحلّهم خانة النسيان المعتمة.. ويؤكد لنا التاريخُ أن أولئك العظماء النبلاء الذين اغتالتهم يدُ الجهل والتكفير والحسد، أعمارهم أطولُ من أعمار قاتليهم.

لا أحد يذكر اسم طاعن نجيب محفوظ ولا من كفّروه وأهانوا تراثه، لكننا نعرف قيمة «نجيب محفوظ»، ونحفظ رواياته ونرى شخوصها تعيش بيننا، ونعرف أن أمس الأول: ٣٠ أغسطس، يوافق الذكرى السادسة عشرة ليوم مغادرته هذا العالم العنصرى ضيّق الأفق إلى حيث عالم آخر شاسع رحب لا يضيق بالإبداع والخيال والعلم والحبّ والفكر المختلف، بل يقدّر الفن الرفيع ويحترم «العقلَ»، هدية الله الأولى للإنسان.

للتاريخ مصفاةٌ قاسيةٌ عمياء لا تجامل. تُسقط الحَصى البليد، وتُبقى الدُّرَّ الثمين. يذكرُ التاريخُ فرائدَ العظماء، ويمحو من كتابه النكراتِ المهاويس الذين قتلوهم أو طعنوهم أو كفّروهم أو اغتالوهم معنويًّا وأدبيًّا أو أقاموا ضدهم دعاوى قضائية. لهذا نبتسمُ فى إشفاق حين يلاحقنا البلداءُ بالقضايا ويقضون أعمارهم فى قاعات المحاكم فى محاولات دؤوب لجرّنا إلى السجون. لأننا نعرف أننا موجودون حتى وإن قضينا نَحبنا فى عتمات السجون، بينما هم منسيون وإن عاشوا ألف عام.

فى أحد لقاءاتنا الأخيرة معه فى فندق شبرد، انتبهتُ إلى أننى- على كثرة ما أقتنى من روايات «نجيب محفوظ»- لم أحظَ بعدُ بتوقيع منه على أىٍّ منها؟!.. نهضتُ من مقعدى وركضتُ إلى فندق سميراميس المواجه، وارتقيتُ الدَّرجَ إلى حيث المكتبة التى تضمُّ أعمال الكاتب الكبير. امتدت أصابعى رأسًا إلى «الطريق»، الرواية الأقرب إلى قلبى، حيث «البحث عن هوية»، «البحث عن حُلم». وعدتُ إلى صالون الأستاذ ركضًا، وكان الأستاذُ ينتظرُ بقلمه كى يوقّع باسمه على الرواية وعلى («الطريق»: نجيب محفوظ،...).

بعد حادثة الخنجر، أصبح يكتبُ ببطء شديد وبحروفٍ كبيرة. بعدما كتب اسمَه فى دقائقَ طوالٍ كأنها الدهرُ؛ حاولتُ سحبَ الرواية من بين يديه وأنا أشعر بالخجل لما سببته له من جهد وتعب. تمسّكَ الأستاذُ بالكتاب ليكتبَ التاريخ، ثم نظر فى عينى قائلا: «إوعى توقّعى اسمك دون تاريخ!»، وكان درسًا لم أخلفه أبدًا، كلما وقّعت أحد كتبى لقارئ. واستغرقتْه كتابةُ التاريخ خمسَ دقائق أخرى مضافةً إلى الخمس الأولى التى كتب فيها اسمه بخط مرتعش. وصار ذلك التوقيعُ أثمنَ ما فى مكتبتى. دسستُ كتابى/ الكنز فى حقيبتى ثم أخذنى الصمتُ الطويل.. أستمعُ إليه، وأستمتعُ بخفة ظلّه وقفشاته السياسية وإلماحاته الذكية التى تشير إلى نصاعة وعى لم ينل منه تراكمُ العقود وغزارة العمل والطعنةُ الحمقاء.

اليوم، أتمّ الأديب نجيب محفوظ عامه السادس عشر بعيدًا عن صخب العالم، بعدما انحنى له العالمُ احترامًا حين حصد لمصر وللعرب «نوبل الآداب» عام ١٩٨٨. لم ننسه، ونسينا الذين على عقولهم أقفالها ممن أفتوا بقتله.

«نجيب محفوظ».. كل سنة وأنت أكثر وجودًا وحياةً ممن أخفقوا فى قراءتك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نجيب محفوظ العصىُّ على الغياب نجيب محفوظ العصىُّ على الغياب



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt