توقيت القاهرة المحلي 14:20:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عم نجيب.. العصىُّ على النسيان

  مصر اليوم -

عم نجيب العصىُّ على النسيان

بقلم - فاطمة ناعوت

حين شاهدتُه لأول مرة، كنتُ حول العاشرة من عمرى. كان ذلك فى كازينو «قصر النيل»، الذى اعتادت أمى أن تصحبَنا إليه، أخى وأنا، لكى تكافئنا بكأسين من الجلاس والكاساتا، كلّما حصدنا درجاتٍ عليا فى المدارس.

أومأتْ أمى صوبَ إحدى الطاولات وقالت: (اللى قاعد هناك ده «نجيب محفوظ»، الكاتب الكبير). شببتُ على أطراف أصابعى لأميّزه بين مجالسيه، الذين أطلق عليهم لقب: «الحرافيش»، ورحتُ أُحدّق فى الكاتب الكبير، فالتقطتْ عيناى تلك «الزبيبة» الكبيرة على يسار أنفه. وبدأ عقلى «الطفل» يحاولُ الربطَ بين «الزبيبة الكبيرة» و«الكاتب الكبير».

هل يختبئ الإبداعُ الكبيرُ داخل هذه الزبيبة الكبيرة؟.. بمجرد عودتى إلى البيت، ركضتُ إلى مرآة غرفتى ورحتُ أفتّشُ فى وجهى عن براعم علامة الإبداع؛ وأحزننى أنْ ليس من زبيبة كبيرة ولا صغيرة فى وجهى!. بعد ذلك بسنوات، قرأتُ «الثلاثية» وأحببتُها، لكن شيئًا ما كان يؤرقنى بها، لم أستطع تحديده إلا بعد نضوجى. وبعد بضع سنوات سأكون قد قرأتُ جميعَ ما كتب من فرائد أدبية، وأصبحت فردًا من دراويشه.

سطّر «نجيب محفوظ» تاريخَ مصر كما لم تكتبه كتبُ التاريخ الانتقائيةُ والمؤرخون. لم نعرف طبيعةَ العصر التى عاشته مصر بعد ثورة ١٩ وقبل ثورة يوليو ٥٢ إلا من روايات العم نجيب. مع سنوات شبابى ونضالى الطلابى فى كلية الهندسة، أدركتُ ما كان يؤرقنى فى الثلاثية. ربما لأننى لم أرَ «نموذج المرأة» الذى كنتُ أحلمُ أن أراه، والذى كان موجودًا بالفعل، وإن غاب عن رواياته. «المرأة المثقفة الفاضلة باختيارها» وليس لكونها سجينة فى عباءة الرجل وقبضة يده الغاشمة مثل «أمينة». المرأةُ المصرية العظيمة لكونها «مصرية».

نساءُ عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضى، اللواتى كان بينهنّ «طيارة»، و«فيلسوفة»، و«محامية»، و«أستاذة جامعية»، و«مناضلة حقوقية». لم يرُق لى اختصار النساء فى: «زبيدة» الساقطة، و«أمينة» الفاضلة رغم أنفها. فهذه جدتى «فاطمة هانم سليمان» اختارت الفضيلةَ دون سجن. كانت تقرأ الأدب والشعر والفلسفة وتعزف البيانو وتحفظ القرآن وتقيم الصلوات، وكانت صاحبة عِصمة، لها زوجٌ يحبها ولا يقمعُها.

أحزننى أن لم أجد جدتى بين سطوره إلا قليلا!.. لكننى أحببته رغم ذلك. وسوف أضع كلَّ حبى له فى آخر قُبلة قبّلتها لرأسه فى آخر لقاء جمعنى به فى أبريل ٢٠٠٦ قبل طيرانه للسماء بشهور قليلة. قبّلتُه كأنما أعتذرُ له عن موقفى من موقفه من المرأة. وكتبتُ فى جريدة «القاهرة» قصيدة عنوانها «الطريق» أهديتُها له، وقرأها عمُّ نجيب فى فيلا د. يحيى الرخاوى، وحيّانى عليها.

أحببتُ عمّ نجيب؛ لأنه يضعنى رأسًا أمام المثال الذى أحبُّ أن أعود إليه كلما اصطدمتُ بمتواكل لا يحترمُ قيمة العمل والوقت. فهو النموذج الأجلى لفراعين مصر العظام، حيث دقّة العمل واحترام الوقت وتنظيم الحياة، إضافة إلى الإبداع الملهم. هو مصرُ بتركيبتها الحضارية والثقافية الثرية.

تأملوا معنى أن يقضى رجلٌ ما يزيد على تسعين عامًا من عمره يعمل دون توقف!، لا سيما إذا كان عمله هو «الإبداع»، الذى اشتُهر بأن أصحابه لابد أن يكونوا بوهيميين فوضويين يعيشون خارج الزمن، دون نظام، ينتظرون الإلهام، و«يفوضوون» حياتهم بحجة الفن والانطلاق من الأرض والثوابت!. كان العم نجيب يجلس إلى مكتبه كل يوم من السادسة إلى التاسعة صباحًا، حتى يبرمج عقلَه على استجلاب المادة الكتابية فى تلك الساعات تحديدًا.

حيلةٌ تعلمها من نظرية «الارتباط الشَّرطى» لدى الروسى «إيڤان بافلوف». ونجح بالفعل فى أن «ينظّم» ما لا انتظام فيه، وأن يبرمجَ مَلَكةً هى فى الأساس عصيّةٌ على البرمجة ونقيضٌ للتنظيم.. حتى بعدما يدٌ جاهلةٌ طعنته فى عنقه فى أوائل التسعينيات، ظلَّ يحلُم ويكتب ولم تقعده العاهةُ عن الإبداع. فليس من عاهةٍ تعوقُ الحُلم. طعنه شاب جاهل مُسطّح لأنهم «قالوا له» إن صاحب «أولاد حارتنا» كافرٌ ملحد! ظلَّ يكتبُ والخنجرُ مغروسٌ فى عنقه وفى قلوبنا.

يوم ١١ ديسمبر، كان عيد ميلاد الرجل الذى وضع «نوبل للآداب» فى كأس مصر والعالم العربى لأول مرة فى التاريخ. ولم يذهب لتسلم الجائزة لأنه يرفضُ السفرَ خارج مصر. أوفد لتسلم الجائزة من ملك السويد ابنتيه «فاطمة» و«أم كلثوم»، واختار مَن يمثّله للقاء الملك وإلقاء كلمته مُبدعًا مثقفًا من جيل الشباب وصورةً مُشرّفة لمصر، وهو اليوم أحدُ كبار مفكرى مصر ومبدعيها: الروائى والمفكر «محمد سلماوى».

عظيمة هى مصر، عظيمة بحضارتها وحداثتها ومبدعيها، رغم كل ما مرَّ بها من محن وأعاصير، ورغم مطامع الطامعين فيها على مرّ التاريخ.. لكنها اليومَ تتنفسُ من جديد، وتضبطُ ثوبَ العافية حول جسدها الطاهر.

عيد ميلاد سعيد يا «عم نجيب».. وكل عام وأنت طيبٌ عصيٌّ على النسيان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عم نجيب العصىُّ على النسيان عم نجيب العصىُّ على النسيان



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt