توقيت القاهرة المحلي 22:42:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تمّ البدر بدري... من «دفتر المحبة» (٧)

  مصر اليوم -

تمّ البدر بدري من «دفتر المحبة» ٧

بقلم - فاطمة ناعوت

سرُّ التمرة

ها هو رمضانُ يُجمّعُ طيّباتِه ويوشكُ أن يحملَ مِخلاتَه ليمضى، مُلوِّحًا لنا بالسلام حتى يهلَّ هلالُه العام القادم. وخلال الشهر الكريم نشرتُ أوراقًا من «دفتر المحبة»، وهى الحكايا التى يرسلها لى الشرفاءُ من دفاتر ذكرياتهم حول المحبة التى تربطُ بين أبناء شعب مصر الطيب، ما يُفسّرُ للتاريخ لماذا لم تنجح قوى الشرّ فى غرس بذور الفتن فى أرضنا الطيبة، وظلّ شعبُنا واحدًا عصيًّا على التقسيم والشتات. ونفدت أيامُ الشهر ولا تنفدُ أوارقُ «كتاب المحبة» غزيرِ الورق. وأختتمُ مقالاتِ رمضان بورقة «التمرة» التى نكسرُ بها صيامَنا.

ما سرُّ التمرة؟. التمرةُ هى ابنةُ النخلة. والنخلةُ إن بُذِرَت بذرتُها اليومَ، تُحصَدُ ثمارُها البلحاتُ بعد سنواتٍ طوال. لهذا قد يزرعها زارعٌ، ويموتُ عنها قبل أن يرى ثمرَها. هو يدركُ ذلك، ومع هذا يتعبُ فى زرعها ليَتذوّقَ ثمرَها سواه. وفى المأثور القديم قرأنا عن فلاح جاوز الثمانين، رآه المارةُ يغرسُ فى الطمى فسيلةَ نخلة، فتعجّبوا وسألوه: «هل ترجو أن تشهدَ ثمرةَ بذرتك أيها الشيخ؟!»، فابتسم قائلًا: «زرعوا فأكلنا، ونزرعُ ليأكلَ غيرُنا». لهذا فالتمرةُ هى «الرِهانُ على الآخر». هى إنكارُ الذات ومحبة الآخر، وقتل الأثَرَة انتصارًا للإيثار. نتعبُ ولا نجنى من تعبنا إلا بهجةَ الآخرين. بهذا المعنى نفهمُ الحديثَ الشريف: «اتقوا النارَ ولو بشِقِّ تمرة، فمَن لم يجد، فبكلمةٍ طيبة»، فالتمرةُ إذن ليست فقط المعادلَ الموضوعى للكلمة الطيبة، بل هى فى ذاتِها «كلمةٌ طيبة» يقولها المرءُ للناس بقلبه وفعله دون قول. لهذا يقدّمُ عربُ الخليج التمورَ فى محافلهم؛ إشارةً للحفاوة العملية بالضيف، دون ثرثرةٍ ولا فائض قول. وبهذا المعنى نفسه نشهد عبقرية المصريين الخالدة فى أن يقف شبابٌ على نواصى الطرقات فى شهر رمضان وقت غروب الشمس ليمنحوا السابلة، ممن فاجأهم أذانُ المغرب خارج بيوتهم، بضع تمراتٍ وكأسَ ماء ليكسروا صيامَهم، فكأنما يقولون لهم، دون كلام: «نحبّكم».

ومع الساعات الأخيرة من شهر رمضان المعظم، أعتزُّ بخصوصية مصرَ وعبقريتها، التى تكمن فى أن الكثير من أولئك الشباب الواقفين بأكياس التمر وكؤوس الماء ليُفطِروا ظِماء المسلمين هم من شباب مصر المسيحىّ. تلك واحدةٌ من إشراقات مصرَ الجميلة، التى لن تجدها إلا فى أرض طِيبة الخالدة، التى أخفق الغزاةُ فى فصم وحدة شعبها على مدار الزمان والغزوات الفكرية. تلك نعمةُ النِعم التى يجب أن نحافظ عليها ونحميها من حقد الحاقدين وكيد الكائدين. لأن صخرةَ أماننا هى وحدتُنا.

فقط فى مصرَ يحملُ الشبابُ أكياسًا بلاستيكية صغيرة مكتوبًا عليها: «صومًا مقبولًا وإفطارًا شهيًّا.. مع تحيات كنيسة كذا». فى تلك الكلمات القليلة تختبئ قصائدُ الوجود. تلك هى أعلى مراتب الإنسانية والسمو فوق الفروقات، وصولًا إلى مرتبة «الإنسان»، وهو الهدف الأولُ للأديان. أن نسموَ ونعلوَ حتى نحصل على لقب: «إنسان»، وليس مجرد كائن حىّ يعيش ويتناسل ويموت. أدعو الله فى ختام هذا الشهر الكريم ألا تختفى هذه الظاهرة المصرية الطيبة أبدًا من أرضنا الطيبة، وأن تظل شجرة المحبة الوارفة تظلل وطننا العظيم.

سوف يظل المسيحيون فى مصر يعلقون فوانيسَ رمضان فى الشوارع احتفالًا بالشهر المعظم، ويخبزون كعك عيد الفطر المبارك من أجلنا، ويقدم شبابُهم التمرَ والماء لصائمينا على نواصى الطرقات؛ لأن: «كأس ماء بارد لا يضيعُ أجرُه». وسوف نظل نجدل معهم عيدانَ السعف فى «آحاد السعف» ونزين معهم شجرات الكريسماس فى نهايات الأعوام وغُررها، ونطهو القلقاس الأخضر فى غطاسهم ونفرح معهم فى أعيادهم. لأن فلسفة الأعياد هى جمع الناس على التوادّ والرحمة.

وهذا «عيد الفطر» المبارك، يتلوه «عيد القيامة» المجيد. كل عام ومصرُ هى مصرُ الطيبة التى لا تعرف إلا الحبَّ والسلام والمودة والقلوب الحلوة النظيفة، كل عام ومصرُ الحضارة لم تدخل معجمَها، ولن تدخلَه بإذن الله مفرداتُ الطائفية والإقصاء. وإنّا فى رباطٍ إلى يوم الدين. آمين.

■ ■ ■

من نُثار خواطرى:

إن فتحتِ الطفلةُ

خزانةَ ملابسِها

فوجدتْ أرجوحةً

تطيرُ نحو السماءِ

حتى تمَسَّ القمرَ

ثم تعودَ،

ومن حقيبة المدرسة

تُطِلُّ

أشجارُ وردٍ

ونخيلُ تمرٍ

وعقودُ ياسمينَ

حينَئذٍ

تعرفُ الطفلةُ

أن الله

يُنصِتُ إلى أحلامِها

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تمّ البدر بدري من «دفتر المحبة» ٧ تمّ البدر بدري من «دفتر المحبة» ٧



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt