توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللواء «قدري الزهيري».. الرحمةُ التى غابت!

  مصر اليوم -

اللواء «قدري الزهيري» الرحمةُ التى غابت

بقلم - فاطمة ناعوت

قبل أن يترجّل عن حِصانه، ويتركُنا كسيرى القلب، ويمضى مع الماضين إلى حيث وجه الرحمن، حدّثنى فى الهاتف ليسأل عن ابنى «عمر» وتقدّمه فى الفروسية والموسيقى والرسم وغيرها من مواهبه الجميلة، ثم أخبرنى بكل هدوء بأن زائرًا ثقيلًا قد زاره، وراح يشكرُ اللهَ كثيرًا، ويطمئننى أنه بخير وأن علىَّ ألا أجزعَ لأن المرضَ رحمةٌ من الله مثلما الصحة رحمة. تلك عادته حين يحكى بهدوء وصوت خافت عن الكوارث، كفظائع بنى صهيون فى الأرض المحتلة. الزائر هو «السرطان» لا سامحه الله، إذ اختطف منّا رجلًا بكل هذا الجمال والرحمة والشهامة والوطنية والإيثار. كتب على صفحته هذه القطعة الأدبية الفلسفية الرائعة، تحت عنوان «المرض الصامت».

[مرضٌ لا ترى له ملامحَ ولا تشعر له بأعراض. مرضٌ تسرى آثارُه على النفس ببطء وهدوء ورَوِيّة. إنه مرض «إِلْفُ النّعمة». أن تشعر بأن ما معك وما حولك جزءٌ من تكوينك! فأنت ترى لأنك وُلدت بعينين، وتسمع لأن لك أذنين، وتشترى لأنك تملك المال، وتتحدثُ لأنك قادرٌ على التعبير! تذهب للتسوق وتملأ العربة بما تريد وتعود لمنزلك؛ لأن هذا حقك فى الحياة! أن تشعر بالجوع فتفتح الثلاجة وتأخذ مما فيها بهدوء وتأكل وتشبع بتلقائية؛ وكأن هذا هو ما يحدث مع جميع الناس! أن تألَف نِعمَ اللهِ عليك وكأنها «حقٌّ مكتسب»! فإذا أَلِفْتَ النعمة؛ صرتَ تأكل دون أن تذْكر مَن بات جائعًا، أو من يملك الطعام ولا يستطيع أن يأكله لمرض. فتنسى أن تحمد الله. صحوت ترى وتسمع وتتكلم ولا تتذكر أيًّا ممن فقد تلك النعم، فتنسى أن تحمد الله! تخرج للعمل أو التنزه ثم تعودُ إلى المنزل دون أن تحمد الله على نعمة المال والامتلاك والبيت الذى فيه تنام!! رتابةُ النِّعَم تأخذنا إلى عدم الإحساس بها.

الرِّزقُ ليس «زيادة ما عندك» بل فى «أَنَّ عندك ما عندك». فلا تجعل نفسك تُرغمك أن تألف النِّعَم، بل أرغمْ نفسَك أن تألَف الْحَمْد. فلا يجب أن تزول عنك النعمةُ أو تتهدد بفقدها، حتى «تُقدّر» قيمتها. اللهم كما رزقتنا النعم ارزقنا الامتنانَ لك على تلك النعم، واجعلنا حامدين شاكرين، نُقدّر نعمك علينا. واعصمنا من أن نألفها وننسى أنها منحةٌ منك... بوسعك أن تستردها وقتما وكيفما تشاء].

بعد هذا الدرس الوجودى الفلسفى الإيمانى العميق، كنتُ أراسلُه لأطمئن عليه، وكان يطمئننى أنه فى أفضل حال. وفى عزّ مرضه تذكّر أمنية ابنى أن يعود للتمرين فى «نادى الفروسية» للقوات المسلحة، بعدما تركه منذ شهور لانشغاله بالموسيقى، وقبل أيام قليلة من رحيله، هاتف «عمرَ» ليخبره أنه لم ينس طلبه. كان يطمئننا ويطمئن على أحوالنا حتى خِلنا أن الزائر اللعين قد لملم أشياءه ورحل عن جسده النحيل وروحه الطيبة. ولم نكن ندرى أن المرضَ سائرٌ فى طريقه الشرس يرفض الانهزامَ أو العدول؛ رغم دعوات آلاف الطيبين الذين يدينون للراحل العظيم بأياديه البيضاء عليهم، وأنا منهم.

حين كتبتُ رثاءً له على صفحتى، وشكرته على دعمه لى فى مشوارى الصعب مع ابنى المتوحد، وعلى ما قدمه لأبى الروحى الفنان الوطنى «سمير الإسكندرانى» ومرافقته له طوال رحلة مرضه وحتى رحيله، فوجئت بمئات التعليقات والرسائل تحكى عن أياديه البيضاء على كاتبيها!

وداعًا سيادة اللواء المحترم «أحمد قدرى الزهيرى». العظيم الذى كان نعمةً علينا من نعم الله. رحيلك موجعٌ وقاسٍ؛ لأن مثلك لا تجود به الحياةُ كثيرًا. برحيلك المفاجئ فقدتُ أبًا غاليًا ورجلًا وطنيًا عزّ نظيرُه، وأستاذًا مثقفًا رفيع الطراز. اللهم أسكنه مسكنًا طيبًا يليق بنقائه وأياديه البيضاء التى مدّها لكل من قصده.

■ ■ ■

(رحيل)

هذا الحائطُ الصلبُ

الذى يفصِلُ الآنَ

بين الحياةِ وبينكَ

ما كان ينبغى له أن يكونَ حائطًا

ولا صلبًا

إذْ كان بوسعِه

أن يغدوَ

زهرةً فى حديقتك

أو قطرةً

فى شلالِ عطرٍ

أو غُصنَ زيتونٍ

فى منقارِ يمامةٍ بيضاءْ

تُهديه إلى زوجتك

التى ما جفَّ دمعُها

منذ مضيتَ

ولن يجفَّ

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللواء «قدري الزهيري» الرحمةُ التى غابت اللواء «قدري الزهيري» الرحمةُ التى غابت



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt