توقيت القاهرة المحلي 10:11:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لا مواعيد فى العيد

  مصر اليوم -

لا مواعيد فى العيد

بقلم: تمارا الرفاعي

لم يعد للعيد مكان محدد بعد أن رحلت الجدتان ورحل معهما بيتاهما المفتوحان يوم العيد. حين كانت الجدتان تترأسان العائلة من الطرفين، كلاهما بعد رحيل زوجيهما، كان للعيد عنوان: بيت الجدة، حيث لا يغلق الباب أول يوم العيد، بل يبقى مواربا يمكن دفعه من الخارج برفق للدخول إلى وسط المنزل ولقاء من هناك. العائلة المقربة كانت تلتقى على الغداء، مع ترك أماكن لمن سوف يمر دون ميعاد. لا مواعيد فى العيد، هو ذلك اليوم المفتوح كما هى مفتوحة البيوت القلوب: يمكن الدخول إليها بشكل تلقائى دون سؤال.
• • •
بيت الجدة هو بيت العيد، ذلك المكان السحرى حيث يختفى الأطفال عن نظر الكبار، يخترعون ألعابا ويتقمصون أدوار أفراد العائلة من الغائبين، يغيرون من أصواتهم ويكتسبون حركات العمة أو قريب يزورهم مرة فى السنة، غالبا فى العيد. بيت الجدة مكان يرتبط العيد برائحته، مزيج من روائح المطبخ وعطر الخالات وخزانة الجدات، فلخزانتهن رائحة صابون الغار ورائحة حكايات يرددنها كل عيد. هل للحكايات روائح؟ نعم، على الأقل حكايات الجدات تحمل رائحة سنوات من الأمومة والمدارس ورعاية الزوج، حكايات الجدات فيها شخصيات أصبحت مألوفة رغم رحيلها قبل أن نقابلها أصلا.
• • •
فى العيد تتداخل القصص والوجوه، أشخاص لا يجمعهم سوى بيت الجدة فى العيد. تتداخل أيضا القصص فى العيد فيعود من رحل إلى الحياة هنا الآن، فى بيت الجدة. يسمع الأحفاد عن مغامرات تقترن تفاصيلها بأسماء ناس لا يعرفونهم. يترحم الكبار عليهم فيترحم الصغار أيضا، يرددون ما يسمعونه. تتشابك القصص كقطعة نسيج تظهر فى هواء الغرفة، تطريز محبك بألوان زاهية تغطى المكان دون أن ينتبه من فيه. تخيلوا معى نسيجا من الحكايات، نسيجا سمعيا ملونا، تفاصيل حمراء وزرقاء وصفراء تتضافر فى مقطوعة منسوجة من قصص تعود يوم العيد. يمسك كل من فى الغرفة بطرف يحيك قصصه عليه.
• • •
هكذا إذا يشد كل فرد من العائلة طرف النسيج وكأننا نفرد ملاية شفافة على سرير كبير نجلس عليه معا يوم العيد حول الجدة. على السرير مخدات كثيرة مزركشة نتكئ عليها بعد الغداء بانتظار الشاى. تهدأ الكلمات وينعس الحضور فهذا وقت القيلولة حتى أن الصغار أنفسهم يترددون قبل الكلام، إذ نعرف جميعا متى نتوقف قليلا.
• • •
لحظات ويفتح أحد كبار العائلة محفظته: هذه علامة القمة، قمة الانتظار والترقب، قمة العيد. هذه قمة العيد، هذه لحظة العيدية. يعدل الأطفال من جلساتهم، ينتظرون أن يصل الخال أو العم إليهم ليضع فى يدهم عملة ورقية يفردها الأطفال فى أيديهم وجيوبهم طوال النهار. السر هو أن يتلقى كل الأطفال المبلغ الإجمالى ذاته منعا للخلافات ومنعا للحرج بين الكبار، هى عملية حسابية دقيقة ونبيهة يعتمد عليها توازن العائلة الممتدة.
• • •
أحكى لأولادى عن بيت الجدة كما عرفته فيستغربون تواجد الكثير من الأقارب فى مكان واحد. أطفالى بعيدون كل البعد عن ذلك العيد الذى أصفه، وألمح فى عيونهم بعض التشكيك تماما كما كنت أظهر تشكيكا يوم العيد أمام قصص الكبار. أؤكد لهم أن العيد هو اجتماع ثلاثة أجيال فى بيت واحد. أصف لهم تجمع نساء العائلة على اختلافهن وخلافاتهن التى يضعنها جانبا ريثما يعلقن على فلان وفلانة أثناء رشفهن للشاى، هذا طقس من طقوس العيد المقدسة.
• • •
أشرح لأطفالى أن لا مواعيد يوم العيد، يبقى الباب مواربا على الحارة ويدخل من يشاء فيلقى السلام لقاء فنجان من القهوة وحبة معمول قد يأكلها أو يأخذها معه فى منديل من الورق، إذ من العائب أن يخرج الضيف دون تناول كعكة. يطالب أولادى بالعيدية، وأفهم صعوبة تصورهم لبيت الجدة وزحمة الحضور، بالمقارنة مع فهمهم لعملة ورقية يحصلون عليها بمناسبة يوم لا يعنيهم كثيرا أصلا. أناولهم العيدية إذ قد تكون هى آخر ما أشرحه لهم عن العيد ويفهمونه. يطلبون أن نتصل بالجد والجدة ليشكروهما على عيدية وصلتهم من خلالى.
• • •
أدوس على الرقم فيأتينى صوت والدى. العيدية هى أن أتصل بمن أحب عبر القارات وأجدهم بخير، أن أسمع صوت أبى وأمى وأسألهما عن يومهما وأنا مطمئنة أن صحتهم جيدة. العيدية هو حديث مع صديقة دخلت عاما جديدا سجلت له أحلاما سوف تحققها. العيدية هى يوم تشرق فيه الشمس وكأنها تهتف للعالم أنها زعيمته دون منازع حتى لو تغنى الشعراء بالقمر: لا أحد يزيح الشمس عن عرشها مهما حاول. العيد هو يوم أشرح فيه لأولادى كيف كان اللقاء فى بيت الجدة فيكملون هم سرد التفاصيل لأنهم حفظوها حتى لو لم يعيشوها.
كل سنة وأنتم بخير وصحة وسلامة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لا مواعيد فى العيد لا مواعيد فى العيد



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - القوات الأميركية تنسحب من قاعدة التنف شرق سوريا

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt