توقيت القاهرة المحلي 03:34:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البريء

  مصر اليوم -

البريء

بقلم - حازم الامين

مع قدر من التغاضي عن الفروق، تصلح قصة الفنان زياد عيتاني لأن تكون موازياً لبنانياً لقصة الضابط الفرنسي ألفريد دريفوس الذي اتهم في نهايات القرن التاسع عشر بإرسال ملفات سرية إلى ألمانيا، وإلى أن حكم القضاء ببراءته كان المجتمع الفرنسي عرضة لانقسام حاد حول قضيته، وتوج هذا الانقسام بالمقال الشهير للكاتب أميل زولا: «إني أتّهم».

وليس مرد الشبه بين القضيتين هو براءة كلا الرجلين، بل ما كشفته السجالات حولهما من دلالات، ففي فرنسا كانت اللاسامية تكشف مرة جديدة عن وجهها عبر المسارعة إلى اتهام الضابط اليهودي البريء بقضية عاد القضاء وبرأه منها، وفي لبنان لـ «مقاومة التطبيع» قوة قادرة على دفع عدم الراغبين في المقاومة إلى السجون، وما أكثر هؤلاء، لكن ما أضعفهم أيضاً، فهم سريعاً ما يهبون إلى الانضمام إلى جوقات «المقاومة»، وكل ما لديهم لقوله في وجهها: «نحن المقاومة الأصلية»، وفي أحسن الأحوال تلوح عبارة: «لقد قاتلنا إسرائيل قبل أن يقاتلها حزب الله». «حزب الله» خلف لدى خصومه خوفاً يشبه خوف الأقليات اليهودية في المجتمعات الأوروبية في بدايات القرن الفائت. تقية تكشف عن نفسها عبر تبني خطاب مضطهدها. زياد عيتاني عميل إسرائيلي! إذاً لا حصانة تحمي الرجل. التحقيقات التي سُربت فور القبض عليه مذهلة لجهة عدم واقعيتها، وهذا لم يحصن الرجل ولم يستدرج شكوكاً تُذكر بقضيته! فانضم معظمنا إلى جوقة مُديني تورطه، ورحنا نُفسر اتصالاته بنا بصفتها محاولات «مد خطوط تطبيعية معنا».

في أنفسنا ووجداناتنا ثمة ما هو أقدر من قناعتنا. قوة قد لا توازي في تعقيدها اللاسامية التي كانت وراء ميل الفرنسيين إلى تخوين ضابط يهودي، لكنها تشبهها في بعض أوجهها. «مقاومة التطبيع» والخوف من «شبهة التطبيع»، سقط معظمنا فيها، واخترنا زياد عيتاني كبش فدائها. واليوم تجرى محاولة لقصر التخلي عن زياد على عدد من أصدقائه، والحقيقة أن شرائح واسعة منا صمتت، على الأقل، على ظلم وقع تحت أعينها، وهي تدرك تنافس الأجهزة على صيد تتوّج فيه نجاحات كاذبة. وما نقله محامي زياد عنه لجهة أنه يتعرض لأنواع من «التعذيب المذلّ» لسحب اعترافات واهية جاء الذهول منه بعد إعلان البراءة وليس قبلها.

الظلم الذي أصاب عيتاني مذهل، لجهة وضوحه ولجهة عدد المشتركين في إيقاعه على كرامة الرجل وعلى حريته، وهو قد يوازي ما يمكن أن يقع على شعب بأكمله. بل إن المفارقة هنا هي أنه بدل أن يكون ثمة ظالم مستبد و «شعب مظلوم»، نحن في حالة عيتاني أمام مظلومٍ واحد وأمام شعبٍ ظالم. وهنا يكمن الشبه بين قضيتي دريفوس وعيتاني.

وإذا ما وُجد من يكتب «إني أتّهم» لبنانياً فإن الأبرياء في حالة عيتاني قليلون، ذاك أن السوشال ميديا تحولت في حينه إلى جدار تبرؤ من الرجل، وإلى سجالات حول حقه في أن يورد أسماء من أوردهم التحقيق المزور الذي سُرب للإعلام، وقليلون من تناولوا ركاكة التحقيق وكاريكاتوريته في ضوء «المهمة التي أوكلها الموساد له»، وهي دفع المثقفين للتطبيع مع إسرائيل!

قبل إعلان وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق براءة عيتاني بنحو شهر، كتب الصحافي اللبناني فداء عيتاني القصة الكاملة لبراءة الفنان، وحوت معظم العناصر التي تكشفت اليوم. وفي حينه استُقبلت القصة بحذر، ذاك أن التهمة أقوى من أن تضعفها حقيقة حصل عليها صحافي، وأثبتت الأيام صحتها. ناهيك عن أن الوزير نفسه لم يجد غير عروبة زياد و «لاتطبيعيته» عنواناً لبراءته.

لا أبرياء في قضية عيتاني سوى الرجل المُدان، ومثلما لم تتعظ أوروبا من قضية بريئها في بدايات القرن الفائت فكررت الجريمة على نحو أبشع في منتصفه، لن تكون قصة عيتاني سوى محطة نتجاوزها فور عودة بريئنا إلى بيته، وسنستأنف بعدها جرائم أفظع.

 

 

نقلا عن الحياة اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البريء البريء



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 11:54 2024 الإثنين ,06 أيار / مايو

أحذية لا غنى عنها في موسم هذا الصيف

GMT 11:06 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 05:00 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

بوجاتي تشيرون الخارقة في مواجهة مع مكوك فضاء

GMT 09:55 2025 الثلاثاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تعقيدات قواعد المجوهرات في العمل

GMT 01:45 2022 الأربعاء ,14 أيلول / سبتمبر

فراس شواط يدعم صفوف الإسماعيلي لـ 3 مواسم

GMT 01:06 2021 الأربعاء ,09 حزيران / يونيو

تسريبات جديدة تكشف مواصفات هاتف سامسونج Galaxy M32

GMT 06:31 2020 الخميس ,11 حزيران / يونيو

آسر ياسين يحذر من عملية نصب على طريقة "بـ100 وش"

GMT 10:53 2020 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

مقتل طبيب مصري فى ليبيا على يد مرتزقة أردوغان

GMT 08:17 2019 الخميس ,03 كانون الثاني / يناير

مدحت صالح يكشف أسباب عمله في الملاهي الليلية

GMT 09:56 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

مكافأة غريبة تقدمها شركة "تسلا" لملاك سياراتها

GMT 09:35 2016 الأربعاء ,12 تشرين الأول / أكتوبر

رئيس الوزارء اليونانى اليكسيس تسيبراس يزور اهرامات الجيزة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt