توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا وخذلان النخب المثقفة

  مصر اليوم -

ليبيا وخذلان النخب المثقفة

بقلم - د. جبريل العبيدي

على الرغم من أن المثقف لم يعد يلعب سوى دور هامشي في التأثير الشعبي والمجتمعي، لأسباب كثيرة بدءاً من اتساع الفجوة المعرفية بينه وبين المجتمع، التي لم يسعَ المثقف لردمها، بل هناك من المثقفين من أسهم في زيادة اتساعها، لضمان منصب «النخبة» و«النخباوية»، وانتهاءً عندما أصبح لا مبالياً أو مهادناً لميليشيات وعصابات إرهابية دمرت البلاد، وجعلتها ساحة قتال وحلبة رعب، ظهرت علينا أبواق مثقفة تبرر للميليشيات ما تفعل، خصوصاً تلك التي تتبنى منهجاً عقائدياً كميليشيات الإسلام السياسي.

صحيح أن هناك بعضاً من المثقفين واجهوا بعضاً من الميليشيات والتنظيمات الإرهابية، وكشفوا حقيقتها، إلا أن عددهم بين عدد المتغيبين يكاد لا يُذكر، وبالتالي هناك منهم مَن يشاهد بأم عينه بلاده تُنهَب، ويتآمر عليها التنظيم الإخواني وأشقاؤه، وهم في صمتهم يعمهون، مبررين موقفهم بأنهم يقفون على الحياد لتجنب الفتنة، بينما البلاد تُنهب أموالها وثرواتها.

وهناك من المثقفين من شارَك في تضليل الرأي العام في كثير من القضايا، بل هناك من تستر على الإرهاب وأنكر وجود «داعش»، وتنكَّر لنتيجة الانتخابات، ولم يستفِد من سنوات الغربة؛ فهناك من قضى قرابة نصف قرن في أميركا وبريطانيا، والمفروض أنه يعلم كيف تُدار الانتخابات، نجده يصطف في طابور الرافضين لنتيجة الصندوق الانتخابي.

المثقفون منهم مَن تغرَّب عنها حيناً من الدهر يتغنى بالديمقراطية المفقودة في ليبيا زمن «ديكتاتورية» القذافي. ولما جاءت الفرصة كان أول المتنكرين لنتائج أول انتخابات برلمانية في ليبيا... هو هذا المثقف المغترب.

عندما خذل المثقف مجتمعه في الماضي (زمن الديكتاتوريات) كان عذره المكرَّر الخوفَ من بطش السلطة، ولكن ما العذر اليوم بعد زوال الديكتاتوريات؟ فليس هناك مبرر لخذلان النخبة لوطنهم سوى أنهم فاشلون ولا يُعوَّل عليهم، وإلا فأين هم من المعادلة في ظل تقاسم البلاد وتشظِّي قرارها السياسي، وتحوُّلهم إلى مجرد أتباع وذيول لا يختلفون عمن استأجروا عقولهم؛ البغدادي والظواهري وبديع والقرضاوي، وشهروا سيوفهم في وجه مجتمعهم.

ففي حالة ليبيا، الإرهابي الذي أجَّر عقله لا يختلف عن المثقف الذي صمت أو اتخذ الحياد سبيلاً في ظل وطن يضيع، فالمثقف النخبوي الصامت أو المحايد في قضايا وطنه شريك الإرهابي الذي يدمر ويعبث بوطنه.

التاريخ يعجّ بأمثلة كثيرة على مثقفين ومفكرين عارضوا السلطة عبر التاريخ، منهم سقراط الذي شرب السمّ طواعية، ونيتشه الذي رفض الأعمال الوحشية، وكذلك فعل فولتير، لتظهر صورة المثقف الحقيقي رغم تعريف المناضل والمفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي سجنه الفاشستي موسيليني، وهو القائل: «إن جميع الناس مفكرون، ولكن وظيفة المثقف أو المفكر لا يقوم بها كل الناس».

فخذلان المثقف وتنازله عن دوره المجتمعي لصالح مصلحته، يشكِّل حالة عجز عنده، مهما كانت المبررات التي يسوقها لتبرئة نفسه، وهذا ما ذهب إليه المفكر جوليان بيندا من أن «ما يعيب مثقفي العصر الحاضر هو تنازلهم عن سلطتهم المعنوية والأدبية».

ففشل الحل السياسي في ليبيا ليس فقط سببه الفوضى والميليشيات، بل خذلان النخبة وحيادها في أحسن الظروف، فهو السبب المباشر في تغول التنظيمات والميليشيات، وانتشار خلاياها السرطانية في جسد ليبيا، دون أدنى درجات حصانة قد تبذلها النخبة الليبية الغائبة والمغيبة.

 

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا وخذلان النخب المثقفة ليبيا وخذلان النخب المثقفة



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt